.
.
.
.

إسقاط #تركيا لمقاتلة روسية يعقّد علاقات موسكو بواشنطن

نشر في: آخر تحديث:

عندما بدأت التعزيزات العسكرية الروسية تصل إلى سوريا في نهاية سبتمبر الماضي، سأل الصحافيون، ومن ضمنهم أنا، المتحدث باسم البيت الأبيض والخارجية عن خبايا النوايا الروسية وإذا كانت واشنطن على دراية بنوايا موسكو من وراء هذا التواجد العسكري.

الجواب كان سريعا من المتحدثين بأن هذا السؤال يجب أن يوجه إلى موسكو وليس للإدارة الأمريكية، ورغم هذا أبقت الإدارة الباب مفتوحا على إمكانية أن تلعب روسيا دورا فعالا في محاربة تنظيم داعش إذا أرادت.

التصريحات الرسمية كانت بطريقة غير مباشرة تحث الروس على محاربة التنظيمات المتطرفة التي ترى واشنطن أنها ستهدد موسكو في النهاية، من خلال وجود المقاتلين الأجانب المنتمين إلى داعش وجبهة النصرة، وخصوصا من الشيشان والقوقاز.

واشنطن كانت تعرف ماذا يريد الروس

لكن إدارة الرئيس أوباما كانت تدرك تماما ومن اليوم الأول أن هدف موسكو هو دعم نظام الأسد، وخصوصا بعد إحراز الفصائل المعارضة تقدما بات يخيف دمشق وأصبح بإمكانها على المدى القريب أن تشكل طوقا أمنيا حول المناطق العلوية، إضافة إلى تقدمها أيضا في ريف دمشق وخصوصا أن ميليشيات حزب الله والميليشيات الإيرانية لم تعد قادرة على حماية النظام.

واشنطن تدرك أيضا المصالح الروسية الحيوية في الشرق الأوسط ورغبتها بالحفاظ علي بقائها في سوريا، الدولة الوحيدة التي تربطها بها اتفاقيات عسكريه بعد طرد الرئيس المصري أنور السادات للخبراء الروس في السبعينات وإبقائها على منفذ بحري في المتوسط، لكن وبعد أن تكشف مدى التورط الروسي العسكري في سوريا ومع وصول مئات من وحدات سلاح البحرية الروسية في الأسابيع التالية، حذر الرئيس أوباما روسيا بأنها ستتوغل في مستنقع الحرب السورية وكأنه يذكرها بتورطها في أفغانستان، والذي يعزوه كثيرون إلى كونه العامل الأساس وراء ولادة القاعدة، التي رحلت إلى العراق بعدما فقدت معسكراتها هناك، ووجدت في الغزو الأمريكي للعراق ذريعة لإعادة بعثها بمسميات جديدة كالقاعدة في بلاد الرافدين وصولا إلى تنظيم داعش.

ضابط روسي يبلغ السفارة الأمريكية بالخبر

وعندما بدأت الطائرات الروسية تحلق في السماء السورية، لم يعد بيد واشنطن الكثير من أدوات الضغط، فقد فرض الدب الروسي نفسه بقوة وبدأ يغير من قواعد اللعبة وحتى بعد الإحراج الشديد والذي وصفه المحللون وكأنه "صفعة استيقاظ" على وجه الرئيس أوباما، بما فيه طريقة إبلاغ واشنطن أن روسيا بدأت بإطلاق العنان لحملاتها العسكرية في السماء السورية عن طريق ضابط روسي طرق باب السفارة الأمريكية في بغداد ليعلن انطلاق الحملات ويحذر واشنطن بإبعاد مقاتلاتها.

عدة أيام مرت قبل أن تعلن وزارة الدفاع، البنتاغون، أنها بدأت تنسيقا عسكريا مع موسكو يسمى بالمصطلح الأمني بـ"عدم التصادم"، أي التنسيق لمنع حدوث تصادم جوي بين الطائرات الروسية والأمريكية فوق سوريا. وكرر البيت الأبيض دعواته لبوتين بالتوقف عن دعم الرئيس الأسد واستهداف المعارضة السورية المعتدلة التي تدعمها واشنطن في سوريا، حيث أشارت الإحصائيات أن الغارات الجوية الروسية استهدفت الفصائل المعتدلة وقتلت العديد من المدنيين، لكن هذه النداءات لم تجد صدى واستمرت روسيا في بناء قواعدها ودعم النظام لضمان استقراره علي الأقل وإن لم تضمن فوزه.

أوباما: المعركة الأم ليست تغيير نظام الأسد

خصوم الرئيس في الحزب الجمهوري وجهوا له كيلا من الاتهامات، ومنها أن بوتين يستهين بالقوة الأمريكية، وأنه بات الرقم الأصعب في المعادلة السورية، فالجميع يدرك أن التنازلات السياسية يمليها التقدم العسكري على الأرض وأن الوجود العسكري الروسي الآن ربما ألغى أي فكرة في إقامة مناطق عازلة أو آمنه بفرض حظر جوي.

إذن تراجعت خيارات واشنطن الى أدنى مستوياتها ولجأ الرئيس أوباما الى الاستهزاء من فكرة أن روسيا باتت تتحكم في مصير سوريا، متنبئا بالغرق في وحل حرب أهلية وبعودة مقاتلين شيشان وغيرهم مدربين في معسكرات داعش لتنفيذ عمليات ضد روسيا لاحقا. وبرر أوباما مجددا عدم تدخل الولايات المتحدة والإبقاء على دعمها الخجول لقوات كردية وقبائل عربية تركمانية في شمال شرق سوريا وعلى الحدود التركية، لأن المعركة الأم حسب استراتيجيته هي قتال داعش وليس تغيير النظام.

وفي ظل هذه التغييرات، عاد وزير الخارجية الأمريكي جون كيري للبحث عن مبادرة جديدة لتفعيل المفاوضات التي فشلت في جولتين، جنيف واحد وجنيف اثنان، فنقلها الي فينيا في إشارة رمزية الى إمكانية تحقيق بعض التقدم وربما أيضا تيمنا بنجاح فينيا كمدينة استضافت المفاوضات النووية الايرانية، فاطلق مفاوضات الرباعية التي ضمت السعودية وتركيا الى جانب روسيا والولايات المتحدة، ومن ثم توسعت لاحقا لتضم ما يقرب من عشرين وزير خارجية دول اقليمية ودولية و منها إيران لأول مرة.

وبينما أعلنت واشنطن أن الرئيس الأسد يجب أن يرحل لضمان نهاية الحرب وسحب البساط من تحت أقدام داعش وغيرها، تمسكت موسكو بحليفها السوري ودعته لزيارتها في أول مرة يغادر فيها الرئيس الاسد دمشق منذ بدأ الثورة السورية، ليبقى الأسد النقطة المحورية التي تفصل الرؤيتين الأمريكية والروسية. وقال السفير الأمريكي السابق لسوريا روبرت فورد، إن روسيا لم تتخل يوما عن الأسد وهذه النقطة الخلافية هي جوهرية لدرجة ستمنع التوصل الى أي حل قريب ينهي شلال الدم السوري.

تداعيات حادثة إسقاط الطائرة

وعادات الأحداث لتقوي من الموقف الروسي وتدعم توجهه أن محاربة الإرهاب يجب أن تكون أولوية وليس إسقاط نظام الأسد بعد حادثة إسقاط الطائرة المدنية الروسية وتفجيرات باريس التي تبنتها داعش فأحدثت وحدة صف مؤقتة، وجرى الحديث عن دور للأردن في تشكيل لائحة للفصائل المسلحة والتي ستدعى الى مفاوضات فينيا، لكن رياح الشرق الأوسط تجري دوما بما لا تشتهيه السفن.

فبعد دخول طائرات روسية مقاتله للمجال الجوي التركي مرات عدة، قررت تركيا هذه المرة إسقاط المقاتلة الروسية التي قالت إنها انتهكت مجالها الجوي وأصبح الموضوع موضوع سيادة رغم أن المدة الزمنية لم تستمر أكثر من ثلاثين ثانية، واشنطن سارعت الى الدفاع عن أنقرة وعن حقها في الدفاع عن نفسها لكنها لجأت الي التهدئة العلنية في المؤتمر الصحافي الذي جمع الرئيس أوباما بالرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند الأسبوع الماضي.

ورغم هذا كانت واشنطن قلقة جدا من تداعيات هذه الحادثة وخصوصا وأن تركيا عضو حليف في حلف شمال الأطلسي وتلعب دورا في تدريب المعارضة السورية وهي التي فتحت قواعدها العسكرية في "انجليك" للمقاتلات الأمريكية بعد مفاوضات عسيرة استمرت أشهرا، فعملت من خلف الستار على خفض وتيرة التوتر، فهي تدرك أيضا انعكاسات التصعيد على مفاوضات فينيا والدورين الروسي والتركي فيها.

أوراق لعب وإنهاك قوى

التخوف الأكبر: هو ماذا سيحدث لو تم بالفعل تصادم بين طائرة روسية وأمريكية في الأجواء السورية رغم قنوات الاتصال المفتوحة لهذه الغاية بالتحديد.

خصوم الرئيس يرون أن روسيا تملك كل أوراق اللعب بوجودها العسكري وبتمسكها بالأسد وبدعواتها لتشكيل تحالف دولي ضد الإرهاب على حساب تحالف واشنطن.

الرئيس أوباما يبدو واثقا، بأنه لا حل عسكريا للأزمة السورية والسلطة الانتقالية يمكن أن تضم الأسد دون صلاحيات لفترة قصيرة لكن عليه الرحيل في النهاية، بينما موسكو تقول إن الشعب السوري هو الذي سيختار دون الاكتراث إلى أن نصف هذا الشعب بات لاجئا أو نازحا. وبنظرة أكثر تشاؤما يرى روبرت فورد السفير الأمريكي السابق في سوريا، أنه "لا روسيا ولا الولايات المتحدة تستطيعان إنهاء الحرب.. فقط عندما تنهك الأطراف المسلحة التي تقاتل مع أو ضد النظام يمكن الحديث عن تنازلات أو حل سياسي".