.
.
.
.

باب العامود في القدس.. خط تماس بين الموت والحياة

نشر في: آخر تحديث:

في خلال الساعات الطويلة التي أمضيناها، نهار الأربعاء، في باب العامود، المدخل الشمالي للبلدة القديمة بالقدس المحتلة، ارتسم مشهد تبلور على امتداد الأشهر الماضية، أي على امتداد عمر "انتفاضة الأفراد" الفلسطينية التي تتوالى فصولا ومواعيد مع عمليات فردية، فالمكان الذي كان معلما من معالم المدينة تغير دراماتيكيا، فبعد أن كان شريانا حيويا للمقدسيين، يغصّ بالمارّة وبأصوات الباعة المتجولين، أصبح ثكنة عسكرية ومنطقة أمنية مغلقة.

وليس في هذا الأمر مبالغة، فعلى مدى ساعات رصدنا شرطة الاحتلال وحرس الحدود يخضعون الفتية الفلسطينيين لتفتيش مهين بمجرد مرورهم قرب الجنود، وأصبح الجلوس أو الوقوف على الأدراج الموصلة للباب ممنوع أمامنا.. هنا يجب أن تتحرك وأن تغادر المنطقة مسرعا، فباستثناء عدد من السياح الأجانب لم نرَ أي مقدسي يجلس هناك، ما عدا شابين ابتكرا خدعة طريفة للجلوس. الشابان لم يبرحا طوال ساعات الخيِّر الضيّق الذي خصصته شرطة الاحتلال للصحافة وطواقم التصوير. وإلى حين يكتشف أمرهما، هما يتمتعان بما يصفانه بـ"متعة الجلوس" كما اعتادا في مواجهة باب العامود. وفي هذا السياق، يقول محمد، أحد الشابين الذي لم يفارق موقعنا لأكثر من ثلاث ساعات: "لقد أدركنا ان الطريقة الوحيدة لعدم تعرضنا للتفتيش والطرد من باب العامود، هي الجلوس بقرب الصحافيين، فكما ترون لو جلسنا في أي بقعة أخرى سنطرد ونذّل بالتفتيش وقد نتعرض لاعتداء. لكن حين يأتي عدد كبير من الشبان، فإن شرطة الاحتلال تتفطن للأمر وتطرد الجميع".

حصن.. لكن غير منيع!

حقيقة أن ساحة باب العامود تحولت إلى ثكنة عسكرية لا تخطئها العين.. عشرات من أفراد الشرطة وحرس الحدود يتجولون ويفتشون، في حال استنفار دائمة، تحت حراسة قناصة يتابعون من أعالي السور ومن سطح بناية مواجهة لباب العامود كل ما يدور تحتهم، إلى جانب كاميرات مراقبة تبث مباشرة لغرفةً عمليات.. وتجوال لا ينقطع للخيالة التابعين لشرطة الاحتلال، إلى جانب دوريات على متن دراجات نارية بدت كوحدات لصيد الفتية وطلاب المدارس لإخضاعهم للتفتيش والتدقيق.

لكن كل هذه الإجراءات الأمنية غير المسبوقة منذ احتلال القدس، تظلّ عاجزةً عن منع العمليات الفردية، فباب العامود بات النقطة الأسخن في هذه المواجهة المفتوحة على المجهول. أكثر من 10 عمليات طعن وعمليتي إطلاق نار شهدها الموقع ذاته، آخرها عمليتان الأسبوع الماضي فقط. ويمكن القول إن ساحة باب العامود تحولت إلى ساحة إعدام لفلسطينيين حاولوا طعن قوات الاحتلال، من بينها عملية إعدام نقلتها شاشتا "العربية" و"الحدث" على الهواء مباشرة في أكتوبر الماضي. والأمر اللافت فعلا هو أن هذه الثكنة العسكرية أصبحت مسرحا للعمليات الفلسطينية على نحو خاص، ربما بسبب تواجد كم هائل من قوات الاحتلال في مكان واحد، وإن كانت العملية تنتهي عادة بقتل الاحتلال للمنفذ الفلسطيني بعشرات الطلقات النارية، الأمر الذي حوّل المكان إلى رمز لهذه الانتفاضة الارتجالية، لا ينافسه إلا منطقة الخليل وتجمع غوش عتصيون جنوب الضفة.

وهذه الشهرة الحديثة قد تنافس الشهرة التاريخية لباب العامود، أحد أبواب القدس من الفترة العثمانية، وهو المدخل الشمالي للبلدة القديمة، والذي سمي بهذا الاسم نسبةً إلى "عامود النصر" زمن الحكم الروماني الذي وضِع في الساحة المحاذية للباب، أيام سميت القدس "اليّاء". وكان الباب وحدة قياس، "نقطة الصفر"، لبُعد باقي المدن عن القدس. وسمي أيضا بـ"باب دمشق" و"باب نابلس" وهي تسمية يهودية، في إشارة الى كونه المخرج من القدس شمالا.