.
.
.
.

قصة نصف مليون صورة تروي تاريخ نضال الشعب الفلسطيني

نشر في: آخر تحديث:

على جدار حجري أمام منزله في إحدى ضواحي مدينة رام الله، علّق يوسف القطب بضعا من صوره التي التقطها خلال عمله كمصور عسكري في صفوف الثورة الفلسطينية، غالبية الصور توثق لمرحلة الوجود الفلسطيني في لبنان، خصوصا العمليات الفدائية التي نفذها المقاتلون الفلسطينيون داخل فلسطين التاريخية، والمعارك مع القوات الإسرائيلية جنوبي لبنان، والاجتياح الإسرائيلي وحصار بيروت عام 1982، وعمليات القصف العنيفة التي نفذتها القوات الإسرائيلية وما خلفته من ضحايا، والمجازر التي ارتكبت في صبرا وشاتيلا، وأخيرا خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان إلى تونس.

من مقاتل إلى مصوّر صحفي

يقول يوسف القطب لـ"العربية.نت"، التحقت بصفوف الثورة الفلسطينية عام 1968 كشبل مقاتل، كنت فتى صغيرا حين حملت البندقية، وبدأت أتدرب على القتال، وما إن اشتد عودي حتى أصبحت ضمن تشكيل فدائي للقيام بعمليات تستهدف الآليات الإسرائيلية على الحدود، وكان معي دائما كاميرا صغيرة أوثق بها أعمالنا القتالية، وما نصادفه من أحداث، وقد أصبت في إحدى المعارك بعد سقوط قنبلة فسفورية احترق جزء من جسدي ونقلت للعلاج في بيروت، وهناك جاء لزيارتي القائد الميداني ماجد أبو شرار، وعندما شاهد الكاميرا تساءل عنها، فقلت له أنا أحب التصوير، فعرض علي أن أصبح مقاتلا ومصورا بشكل رسمي، وهكذا أصبحت مصورا عسكريا.

أخطر صورة التقطها.. ومن يمشي في جنازة الآخر

فقد يوسف خلال عمله كمقاتل ومصور معظم أصدقائه، قتل معظم أفراد خليته الفدائية خلال المعارك، حتى عندما أصبح مصورا قتل أصدقاؤه المصورون في المعارك، أما هو فخرج بنحو عشر إصابات مختلفة، وشظايا باقية حتى يومنا الحالي في ظهره، أما أخطر الصور التي التقطها يوسف فهي صورة لدبابة إسرائيلية مشتعلة استهدفها مقاتلون فلسطينيون في منطقة بين الدامور وبيروت. ويقول يوسف "استهدف الفدائيون رتلا من الدبابات، فقررت الذهاب وتصويرها، ركبت دراجتي الهوائية وذهبت، وفي الطريق وصلت نقطة عسكرية للمقاتلين الفلسطينيين، قال لي قائد النقطة وكانت كنيته أبو الفواخر: أين أنت ذاهب يا يوسف؟ فقلت له لتصوير الدبابات المشتعلة، فقال لي أنت مجنون!! غدا سوف أسير في جنازتك.

لكني لم ألتفت وواصلت الطريق حتى وصلت الدبابات، التقطت ثلاث صور فقط، ثم حدث انفجار كبير، طرت في الهواء و انكسرت ساقي، وأصبت بجروح كثيرة، لكني نهضت وعدت على دراجتي أقودها بقدم واحدة، وعندما وصلنا النقطة الفلسطينية، كانت قد دمرت بشكل كامل، وعندما ذهبت إلى المستشفى للعلاج، شاهدت الكثير من الأكفان، كشفت عن واحد منها وإذا به أبو الفواخر نفسه وقد قتل في القصف، وفي اليوم التالي سرت في جنازته.. هكذا كانت حياتنا في بيروت.

أنهيت حياتي فقيراً

رفض يوسف القطب بيع صوره التي كان يلتقطها خلال المعارك للوكالات الأجنبية، ويقول يوسف: كانت الوكالات الأجنبية تدفع ما بين 100 و500 دولار مقابل الفيلم التصويري الواحد، كان مراسلوا الوكالات ينتظروننا عندما نخرج من المعارك لشراء الصور، وأنا رفضت بيعها دائما، لقد كنت أعتبر أن هذه الصور التي توثق جرائم الاحتلال وقدسية قضيتنا أغلى من كل المال، وهكذا عندما غادرت مع منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت إلى تونس، لم أحمل معي شيئا سوى الصور التي التقتطها.

واليوم بعد عمل طويل كمصور في صفوف الثورة ومع وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا"، تقاعد يوسف وهو يمضي نهاره الطويل في بيت متواضع قرب قرية المزرعة شمالي رام الله. ويقول يوسف "أنا لست غنيا من الناحية المالية، في نظر الكثيرين اعتبر فقيرا، لكني أملك ثروة لا يملكها أحد، فلدي نصف مليون صورة، لكل صورة منها حكاية لا تقدر بمال، وأنا سعيد بثروتي هذه".