.
.
.
.

هل يُغرق حزب الله سوق لبنان بأدوية إيران؟

نشر في: آخر تحديث:

كرّس تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة دخول حزب الله لأول مرة إلى 3 وزارات، بعضها أساسي كالصحة، بالإضافة إلى الشباب والرياضة ووزارة الدولة لشؤون مجلس النواب.

وأبدت واشنطن قلقها حيال إسناد وزارة الصحة إلى حزب الله، المصنّف على لائحة الإرهاب، وتخشى من اسفادة المستشفيات والمؤسسات الصحية التابعة له من موارد وزارة الصحة، مع وجود وزير على رأسها "صديق للحزب وإن كان غير منتمٍ تنظيمياً"، بحسب ما أكد الوزير جميل جبق (من منطقة البقاع شرق لبنان) في مقابلات تلفزيونية، مع الإشارة إلى أنه متزوج من شقيقة زوجة النائب في حزب الله علي المقداد، حيث أعلن التزامه بكل القوانين التي تحكم عمل الوزارة، خصوصاً لجهة استيراد الأدوية الإيرانية التي شملتها العقوبات.

آلية خاصة للتعامل مع إيران؟!

إلا أن تساؤلات تطرح في الأوساط اللبنانية عن قدرة حزب الله على استغلال وزارة الصحة لفتح الأسواق اللبنانية أمام الأدوية الإيرانية بأسعار مخفّضة، وذلك عبر إنشاء مؤسسة خاصة للتعامل مع إيران في مجال الأدوية.

ورداً على هذه التساؤلات، أكدت مصادر مصرفية لبنانية لـ"العربية.نت" "أن هذا الأمر صعب انطلاقاً من عدم قدرة القطاع المصرفي اللبناني على إنشاء مؤسسة خاصة كهذه، كما فعل الأوروبيون، خصوصاً أن الاقتصاد اللبناني مدَولر (بمعنى إجراء العمليات بالدولار) فأي "قرش" تدفعه الجهات المصرفية اللبنانية يخضع لمراقبة وزارة الخزانة الأميركية"، إلا أنها أبدت في المقابل تخوّفها من الالتفاف على العقوبات عبر اتّباع الحزب طرقا غير شرعية (التهريب عبر البر) لإدخال الدواء الايراني إلى لبنان"، علماً أن الأدوية غير مشمولة بالعقوبات.

"كيان للأغراض الخاصة" (انستكتس)

وتحدّت أوروبا ممثلةً بألمانيا وفرنسا، إضافة إلى إنجلترا، تحذيرات سابقة للولايات المتحدة بشأن الالتفاف على العقوبات بتدشينها منذ أيام الآلية المالية الخاصة للتجارة مع طهران، يُطلق عليها "كيان للأغراض الخاصة" (انستكتس)، تسمح بالتدفقات المالية في المجالات غير المستهدفة بالعقوبات الأميركية. وتُركز في المرحلة الأولى على السلع التي لا تخضع حالياً للعقوبات الأميركية، مثل الأدوية والمستلزمات الطبية والمواد الغذائية والسلع الاستهلاكية.

وتشير المصادر المصرفية اللبنانية إلى "صعوبة لجوء حزب الله إلى الاستفادة من هذه الآلية لشراء الدواء الإيراني"، وتُبرر ذلك بأن "لبنان لا يُمكنه القفز فوق الإجراءات الأميركية ضد طهران، وأي محاولة من حزب الله لاستغلال وزارة الصحة لهذه الغاية سيُعرّض كل اللبنانيين للخطر، ليس فقط بيئته الحاضنة، لأن الخدمات التي تُقدّمها الوزارة تطال مختلف المناطق اللبنانية، فهل يستطيع عندئذ تحمّل تبعات وضع وزارة الصحة على اللائحة السوداء أميركياً؟".

ومع أن واشنطن تُدرك مسبقاً أن حزب الله سيتمثّل في الحكومة، باعتبار أنه مكوّن موجود في البلد لا يُمكن تجاوزه في حكومة وحدة وطنية، إلا أنها تدعم الجهود الآيلة إلى "ضبط إيقاعه" لمنعه من السيطرة على لبنان، وهذا يتطلب من الحكومة الجديدة الانضمام بلا شروط إلى الجهود الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب وتبييض الأموال، لإدراكها سلفاً أن محاصرة الحزب اقتصادياً يمكن أن تؤدي حتماً إلى تجفيف مصادر تمويله، ليكون عاجزاً عن تمويل أنشطته المهدِّدة للاستقرار في لبنان والمنطقة.

مراقبة أصول حزب الله

ولهذه الغاية، أوفدت مساعد وزارة الخزانة لمكافحة تمويل الإرهاب، مارشال بيلينغسلي، إلى بيروت منذ أسبوع لإجراء محادثات مع المسؤولين اللبنايين ركّزت في جزء كبير منها على ضرورة التشدد في مراقبة الأصول المالية لحزب الله، والتنبه من وجود حسابات وهمية غير موثّقة في المصارف اللبنانية باسم اشخاص لمصلحة آخرين من الحزب.

وتؤكد المصادر المصرفية اللبنانية "أن التحويلات المالية وعمل المصارف اللبنانية يخضع لمراقبة شديدة من 3 مصادر: الأولى ذاتية تقوم بها المصارف نفسها، والثانية مراقبة من المصرف المركزي، وثالثة من خلال وزارة الخزانة الأميركية. وبالتالي فإن من الصعوبة أن يخرق حزب الله عبر وزارة الصحة الحظر الأميركي عليها بشراء أدوية إيرانية"، إلا أنها لم تستبعد "أن يستفيد من الميزانية الضخمة لوزارة الصحة (نحو مليار دولار) من أجل معالجة جرحاه الذين أصيبوا في سوريا".

يُذكر أن التمثيل الوزاري لحزب الله كان يقتصر منذ العام 2005 (وقت اغتيال الرئيس رفيق الحريري) على وزارات عادية غير خدماتية قبل أن يُحدد باكراً مطالبه الوزارية، حتى قبل الانتخابات النيابية التي جرت في مايو/آيار 2018 بأن وزارة الصحة ستكون من حصّته، وهو ما عزته مصادر ومواقف قوى سياسية معادية له للتعويض لبيئته عن انخفاض التمويل الإيراني، بسبب العقوبات الاقتصادية، فضلاً عن معالجة عناصره الذين سقطوا في سوريا على حساب الدولة اللبنانية.

الدواء الإيراني غير مسجّل

من جهته، يوضح نقيب مستوردي الأدوية في لبنان أرمان فارس لـ"العربية.نت" أن لبنان لا يستورد أصلاً الدواء من إيران حتى قبل فرض العقوبات عليها، كما أن الاستيراد في لبنان خاضع لقوانين شفَّافة وخطّية تشمل أسس تسجيل الأدوية وتسعيرها، فأي شركة مستوردة للدواء في لبنان عليها أن تتأكّد ما إذا كانت العملة الإيرانية موجودة في ما يُسمّى مؤشر العملات الأجنبية لاستيراد الأدوية.

ويلفت إلى "أن العملة الإيرانية موجودة في هذا المؤشر منذ أكثر من 5 سنوات، لكن لا يوجد أي دواء إيراني في الصيدليات اللبنانية، حتى إنه لم يتم التقدم بطلب لتسجيل أي دواء إيراني"، متسائلاً: "إذا لم يحصل هذا الأمر منذ سنوات فهل سيتم الآن مع العقوبات؟".

تخفيض أسعار الأدوية

وقبل تسليم الوزارة لممثّل حزب الله، أعلن وزير الصحة السابق المحسوب على "القوات اللبنانية" المعارضة لسياسة حزب الله، غسان حاصباني، تخفيض أكثر من 330 دواء بنسب وصلت إلى 76% وبمعدل 21% بناء على المذكرات والقرارات الصادرة في عام 2018 المتعلقة بآلية تسعير الدواء، في وقت يُكرر حزب الله أن الهدف الرئيسي لتسلّمه الوزارة تخفيض أسعار الأدوية، لاسيما أدوية السرطان.

ويعزو فارس غياب الدواء الإيراني عن السوق اللبناني إلى "عدم إمكانية مصانع الأدوية تسجيل ملف للدواء المصنّع في إيران يكون ملائماً للأسس المعتمدة في لبنان"، ويستبعد في هذا الشأن أن يُقدم وزير الصحة المحسوب على حزب الله على تعديل هذه الأسس من أجل تخفيض المستوى المطلوب للتسجيل، خصوصاً أن هذا الامر يتطلّب تعديلاً في القوانين عبر الحكومة ومجلس النواب".

وفرضت الولايات المتحدة حزمتين من العقوبات على إيران، أشدّها كان في نوفمبر/تشرين الثاني الفائت تستهدف على وجه التحديد قطاع الطاقة، وذلك بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق الدولي النووي مع إيران في مايو الماضي.

واستهدفت الحزمة الأولى من العقوبات، التي أعيد فرضها في أغسطس الماضي، قطاع السيارات الإيراني والقطاع المصرفي، بما في ذلك التعامل مع الريال الإيراني والسندات الإيرانية.

انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة