"أم الفقير" في لبنان.. مدينة بـ 25 جولة عنف

نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

فتحت اشتباكات طرابلس (شمال لبنان) مجدداً جرح المدينة اللبنانية القابعة بين ضفاف الفقر والحرمان المزمن منذ سنوات طوال.

فإذا كان لبنان في عموم مناطقه يشهد شللاً اقتصادياً وسط تحذيرات دولية من سلوكه طريق الانهيار الاقتصادي، يبقى لعاصمة الشمال اللبناني حصة الأسد من التدهور الاقتصادي الذي بلغ الحضيض مع ارتفاع معدلات الفقر وانتشار البطالة في صفوف شبابها.

"أم الفقير"

إنها "أمّ الفقير"، التي لم تجد بديلاً عن المفاخرة بمرارة لقبها شكلاً ومضموناً.

يعكس هذا اللقب الذي يطلقه اللبنانيون على المدينة التي شهدت حوالي 25 جولة من الاشتباكات خلال السنوات الأخيرة، بحسب ما أكد للعربية.نت رئيس البلدية، واقعاً صعباً من الفقر والعوز الناتج عن ارتفاع معدلات البطالة التي بلغت ذروتها، لاسيما عند الشباب.

عامٌ بعد عام وطرابلس عاصمة لبنان الثانية كما تُلقّب، تتراجع اقتصادياً نحو الأسوأ حتى أضحت المدينة الأفقر على حوض المتوسط. فنسبُ البطالة ارتفعت، وتدفقات أموال المستثمرين تراجعت، مؤسسات وشركات أغلقت أبوابها معلنةً الإفلاس.

قد تبدو المدينة أقرب لقرية نائية منسلخة عن لبنانيتها. هكذا يقول رئيس بلديتها أحمد قمر الدين لـ"العربية.نت"، ويأسف "لأن طرابلس "مُهملة" من قبل الدولة منذ أن نال لبنان استقلاله في العام 1945".

لم يترك الفقر حياً.. والسلطة تصم آذانها

باتت أغلبية سكان المدينة تحت خط الفقر نتيجة غياب اهتمامات الحكومة بشكل مباشر بحرمان الطرابلسيين من أدنى مقومات الحياة وآذان نواب ووزراء المدينة قد صمّت عن واقع المدينة الأليم.

فلم يترك الفقر حيّاً إلا وزحف إليه تاركاً للرخاء بقعاً جغرافية محدودة من المدينة لا تتجاوز 20 في المئة من إجمالي مساحتها. وإن كان الأمر عادياً قياساً للمنطق اللبناني، إلا أن العجيب في طرابلس، أن أكثر من رئيس حكومة في لبنان كان من طرابلس كالرؤساء بحسب التسلسل الزمني، عبد الحميد كرامي، رشيد كرامي، أمين الحافظ، عمر كرامي ونجيب ميقاتي. ولا تخلو أي حكومة تتشكّل من وزير طرابلسي.

كما أن عدداً كبيراً من رجال الأعمال من الطرابلسيين من أهل السياسة يملكون ثروات طائلة تٌقدّر بالمليارات، منهم من وردت أسماؤهم في قائمة أغنى أثرياء العرب على مستوى العالم، كرئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي، إضافةً إلى الوزير السابق محمد الصفدي.

ومع ذلك، بقيت المدينة أسيرة الفقر والبطالة.

من طرابلس
من طرابلس

وعود.. حبر على ورق

ومع كل موسم انتخابي، تتساقط الوعود تلو الوعود والمشاريع الإنمائية، لكن تبقى حبراً على ورق كما يشكو أبناء المدينة.

ويترافق واقع طرابلس المأساوي مع شللٍ في مرافئها المعطلة، إذ إن مرفأ طرابلس البحري لم يرتقِ بعد لمستوى خلق فرص عمل فعلية، كما أن الصراع السياسي القائم في لبنان قد "يحرم" المدينة من عدم تحقيق "حلمها" بانطلاق منطقتها الاقتصادية، المنتظرة منذ أكثر من عشر سنوات.

وما فاقم من تردّي الأوضاع في المدينة، ارتفاع جبل النفايات الذي ينفث سمومه في كل الاتجاهات، وقد يكون ذلك سبباً إضافياً في "هروب" المستثمرين عن المدينة.

من اشتباكات الاثنين 3 يونيو 2019
من اشتباكات الاثنين 3 يونيو 2019

فلتان أمني استمر سنوات

وعاشت عاصمة الشمال اللبناني لأكثر من خمس سنوات حالة من الفلتان الأمني (بين 2009 و2013) أثّرت على كل نواحي الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. فازدادت نسبة البطالة.

ويؤكد هذا الواقع دراسات البنك الدولي بتصنيفه طرابلس المدينة الأكثر فقراً على ساحل المتوسط، وأن أكثر من نصف سكانها يعيشون تحت خط الفقر. ففي تقريره في العام 2017 حول "فرص العمل لشمال لبنان"، أظهر أن الشمال يضم الأكثرية المطلقة من عدد الفقراء في لبنان، ما يعادل نحو 290 ألفاً أي ما نسبته 36 في المئة من عدد اللبنانيين، وهو معدل أعلى بكثير من المعدل الوطني.

وأظهرت دراسة International Poverty Center حول النمو وتوزيع الدخل في لبنان أن الفقر ترتفع نسبته في مدينة طرابلس لتشمل 57% من مجمل سكانها. وفي دراسة أعدتها "اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا" (الإسكوا) بالتعاون مع "برنامج الأمم المتحدة الإنمائي" ووزارة الشؤون الاجتماعية عام 2015، للبحث في مستويات المعيشة لعاصمة الشمال طرابلس، ظهرت أرقام مروّعة عن حجم الفقر داخل أحياء المدينة وأزقّتها. وبحسب الدراسة فقد تخطت نسبة الذين يعيشون ضمن ظروف صعبة، 75% من عدد سكان مدينة طرابلس الذين يبلغ تعدادهم نحو 600 ألف نسمة، حيث ترتفع النسبة إلى 90% في بعض الأحياء، مثل باب التبانة وحي التنك ومنطقة السويقة، بالإضافة إلى أن نحو 23% من السكان يقبعون تحت خط الفقر، حيث يبلغ دخلهم اليومي أقل من دولارين. وتعتبر باب التبانة أكثر المناطق في طرابلس تقدماً ضمن مؤشر الحرمان بنسبة 91% استناداً إلى تقرير الألفية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

واستناداً إلى دراسة لمؤسسة البحوث والاستشارات، فإن حوالي 73% من الأسر في طرابلس لا تملك أي نوع من التغطية الصحية، فيما تبلغ هذه النسبة أقصى مستوياتها في مناطق التبانة، إذ تقدّر بـ90%. وتكثر أعداد الوفيات. إذ بيّنت إحدى الدراسات أن نسبة وفيات الأطفال دون الخمس سنوات بلغت 53 وفاة بين كل ألف طفل.


25 جولة عنف

وفيما تبدو الدولة اللبنانية عاجزة بمؤسساتها ووزاراتها عن تقديم المشاريع التنموية، كشف رئيس بلدية طرابلس أحمد قمر الدين للعربية.نت عن سلسلة مشاريع إنمائية ستُنفّذها الحكومة في مدينة طرابلس. وأسف "لأن جولات العنف (نحو 25) التي شهدتها المدينة في السنوات الأخيرة "شوّهت" صورتها".

كما شدد على "أهمية جذب الاستثمارات في المدينة لخفض معدلات الفقر والبطالة المُنتشرة في صفوف الشباب".

بوّابة عبور لإعمار سوريا

وتتحضّر مدينة طرابلس التي تلقت بالأمس "كفاً موجعاً" إثر اشتباك القوى الأمنية مع مجموعة متطرفة أدى إلى مقتل 4 من القوى الأمنية والجيش، وتفجير انتحاري نفسه، للانخراط في عملية إعادة إعمار سوريا، لمَ لها من مردود اقتصادي على أبنائها ومؤسساتها التجارية.

وأوضح رئيس البلدية في حديث للعربية.نت قبل وقوع الاشتباك الاثنين "أن المدينة تستقبل في كل أسبوع تقريباً ممثلين عن دول غربية لمعاينة الإجراءات والخطوات التي نحن في صدد اتّخاذها لمواكبة ورشة إعادة إعمار سوريا. وهم أبلغونا أن المدينة ستكون بوّابة عبور لذلك، من هنا يجب الإسراع في استكمال إنشاء المنطقة الاقتصادية الخاصة بالتزامن مع توسيع المرفأ".

آمال يتمسك بها رئيس البلدية وأهل المدينة، عساها تفتح لتلك العاصمة الشمالية متنفساً لأهلها، إلا أن الخضات الأمنية تطل برأسها من جديد لتقلص تلك الآمال وتهددها.

انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.