.
.
.
.

بعد فوزه بإسطنبول.. مواجهة صعبة بين إمام أوغلو وأردوغان

نشر في: آخر تحديث:

عندما قام رئيس تركيا الأوتوقراطي، رجب طيب أردوغان، بمنح السلطة للمجلس الأعلى للانتخابات في بلاده لإلغاء نتيجة الانتخابات البلدية، التي خسرها حزبه في مارس/آذار بدا الأمر تخبطا واضحا، لأنه كما توقع العديد من المراقبين فإن سكان إسطنبول شعروا باستياء شديد من إبطال أصواتهم، وتدفقوا بأعداد أكبر من ذي قبل لدعم مرشح المعارضة، أكرم إمام أوغلو، بحسب ما جاء، الأحد، في في تقرير النسخة الورقية من صحيفة "ذي إكونيمست".

إن المتأمل لذلك التخبط يدرك أن جعبة أردوغان كان بها خطة شريرة لتزوير نتائج إعادة التصويت. ولكن لم يقدم أردوغان على تلك الفعلة، أو على الأقل لم يتمتع بالجرأة الكافية للتعامل مع الكيفية التي منح بها الناخبون في أكبر وأغنى مدينة في تركيا للمنافس فوزًا مؤكدًا في 23 يونيو/حزيران الجاري، بنسبة 54% إلى 45%، وهو فارق أكبر بكثير من الفارق الضئيل لفوزه بالانتخابات الأولى بنسبة 0.2%. إن الديمقراطية، على الرغم من مرضها في تركيا، فهي لم تمت بعد.

من الصعب المبالغة في وصف ثبات إمام أوغلو، إذ ربما يكون الوقوف في وجه نظام أردوغان القمعي خطيرًا، حيث تم حبس العشرات من رؤساء البلديات الأكراد، وكذلك عشرات الآلاف من المواطنين، والكثير منهم أبرياء، ممن يشتبه أردوغان في تورطهم في الانقلاب الفاشل عام 2016، أو دعمهم لحركة معارض أردوغان، عبد الله غولن. إن الطريق في مواجهة إمام أوغلو مليء بالعقبات. ولا شك أن أردوغان يخشى من أن عمدة إسطنبول الناجح سيجتذب الدعم والتأييد.

ويتحدث المواطنون بالفعل عن الرجل الجديد كمنافس على الرئاسة، لأسباب ليس أقلها أن أردوغان نفسه ذات مرة سلك طريقًا مشابهًا، مستخدمًا منصب رئيس بلدية إسطنبول في التسعينيات كنقطة انطلاق للرئاسة.

ولت أيام أردوغان

بالنسبة لأردوغان، فقد ولت تلك الأيام، حيث أوضح سكان إسطنبول أنهم يريدون التغيير. لقد أصبح أردوغان عقبة في طريق تركيا. وأدى قمع المنشقين إلى تسمم العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، وخنق فرصًا لمزيد من التجارة والاستثمار بين تركيا والاقتصاد العملاق والغني على عتبة أبوابها لدى جيرانها الأوروبيين. وأثار قراره، الذي تأكد مجددًا هذا الشهر، بالمضي قدمًا في شراء منظومة الدفاع الجوي الروسية غضب أميركا، أهم حلفاء تركيا في حلف الأطلسي (الناتو)، حيث تخشى واشنطن من استغلال روسيا للصفقة في اختبار أنظمة التتبع الخاصة بمقاتلات الشبح الأميركية طراز F-35، وبالتالي تعلم كيفية مواجهتها. ولذلك أوقفت أميركا تسليم مقاتلاتها إلى تركيا، وتم تعليق تدريب الطيارين الأتراك على مقاتلات F-35.

وما لم يمنح الرئيس الأميركي دونالد ترمب تنازلاً، فمن المحتمل فرض المزيد من العقوبات، التي ستؤذي الاقتصاد التركي، الذي يعد هشًا بالفعل. ويرجع ذلك الأمر في جزء كبير منه إلى سياسات الرئيس أردوغان نفسه.

خرجت تركيا في وقت سابق من هذا العام من فترة ركود قصيرة، ولكنها من المتوقع أن تخضع قريبا لتراجع مزدوج. لقد فقدت الليرة التركية 40٪ من قيمتها على مدار العامين الماضيين، بسبب طفرة ائتمانية سُمح لها بالخروج عن السيطرة. ويصر الرئيس على أن أسعار الفائدة المرتفعة ستزيد التضخم، وهي وجهة نظر غريبة الأطوار، يرفضها الاقتصاديون. ويحوم التضخم حاليا حول نسبة 20٪. ومن غير المرجح أن يحصل أردوغان على نصيحة راسخة من صهره الذي يشغل منصب وزير المالية.

هل يغرق أردوغان خصمه في الروتين؟

من المرجح أن الحكومة المركزية ستجعل من الصعب تسيير الأمور بالنسبة لإمام أوغلو. وبما أن حزب العدالة والتنمية الحاكم يسيطر على ما يصل إلى 25 من إجمالي 39 مقاطعة في إسطنبول، وله أغلبية في مجلس المحليات، فإنه لن يكون صعباً لأردوغان التلاعب بتمويل إسطنبول، وإغراق إمام أوغلو في الروتين، أو حتى إيجاد بعض الذرائع القانونية لمحاكمته. وتعد النصيحة المفيدة التي ينبغي توجيهها إلى أردوغان هي أن يترك إمام أوغلو لحاله، لأن أي شيء يضر إسطنبول، مركز التجارة والسياحة التركية، سوف يوقع الضرر بالبلد ككل.

ولكن تبقى حقيقة أن أردوغان هو المسئول، فقد فاز في الانتخابات الرئاسية بأغلبية قوية العام الماضي، ويسيطر حزبه العدالة والتنمية، جنبا إلى جنب مع حلفائه حزب الحركة القومية اليميني، على البرلمان. ومن غير المتوقع أن تجرى انتخابات أخرى لمدة سنوات.

وعلى المدى القصير، يجب أن يأتي التغيير من داخل حزب العدالة والتنمية. وتوجد بعض العلامات التي تدل على ذلك، إذ تشير الأنباء إلى أن عبد الله غول، الرئيس السابق، وأحمد داود أوغلو، رئيس الوزراء السابق، يعتزمان إنشاء حزب أو أحزاب انفصالية. ويجب أن يؤدي نجاح إمام أوغلو إلى تقوية عزمهم.