باحث أميركي يوصي بتدقيق المعلومات الصادرة من مخابرات تركيا

نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
8 دقائق للقراءة

أصدرت السفارة الأميركية في تركيا الأسبوع الماضي بياناً قالت فيه إن واشنطن توصلت إلى اتفاق لتنفيذ "التدابير الأولية لمعالجة المخاوف الأمنية التركية"، وإنشاء "ممر سلام" داخل الأجزاء من سوريا الخاضعة لسيطرة الأكراد.

كذلك أضاف البيان أن الاتفاق يهدف إلى نزع فتيل الأزمة، التي شهدت تعبئة الجيش التركي على طول الحدود السورية، وتهديده باحتلال شمال سوريا، وادعائه مكافحة الإرهاب. لكن لم يتم الإعلان عن تفاصيل الاتفاق، وفقا لما جاء في مقال مايكل روبن، الباحث في معهد أميركان إنتربرايزAEI ، والذي نشره موقع "National Interest".

في التفاصيل، أنه لطالما اشتكى المسؤولون الأتراك من أن الشراكة الأميركية مع الأكراد السوريين هي بمثابة خيانة للشراكة الأميركية التركية، التي ترجع لعشرات السنين.

ويزعم الدبلوماسيون الأتراك أن وحدات حماية الشعب YPG، والميليشيات التابعة لها، ترتبط بحزب العمال الكردستاني، الذي تدرجه الولايات المتحدة على قوائم التنظيمات الإرهابية. كما أخبرت السلطات التركية مرارًا نظراءها الأميركيين بأنه "لا يمكن محاربة مجموعة إرهابية باستخدام مجموعة (إرهابية) أخرى"، بحسب تعبيرها.

موقف تركي مثير للسخرية

إن هناك بالفعل روابط بين حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب، على الرغم من أن كليهما لا يمكن أن يحل محل بعضهما البعض.

ويعد حزب العمال الكردستاني، من وجهة النظر الأميركية جماعة إرهابية، إلا أن السلطات التركية مخطئة للغاية في زعم التماثل والتكافؤ بين وحدات حماية الشعب في سوريا YPG وتنظيم داعش.

وفي الواقع، فإن الإصرار التركي مثير للسخرية بالنظر إلى أن الولايات المتحدة بدأت فقط في شراكة مع YPG، بعدما تراكمت أدلة ساحقة على أن القيادة السياسية في تركيا، بل وأفراد من عائلة الرئيس رجب طيب أردوغان نفسه، وأجهزة المخابرات التركية، قامت بدعم داعش، واستفادت من ممارسات التنظيم الإرهابي وغيره من التنظيمات الشبيهة ذات الصلة بتنظيم القاعدة في سوريا.

أكاذيب تركية

تتعدد المشاكل بشأن مصداقية الحجج التركية، بداية لا يوجد دليل على قيام وحدات حماية الشعب، أو حزب العمال الكردستاني بالتخطيط أو توجيه عمليات إرهابية من الأراضي السورية، على الرغم من هذا الاتهام المزعوم الذي كان السبب المعلن وراء إطلاق تركيا في يناير/كانون الثاني 2018 لعملية "غصن الزيتون"، إلا أنه وبعد عشرين شهرا، اتضح هدف العملية المتعلق بالتطهير العرقي للسكان الأكراد في المنطقة، وليس القضاء على الإرهاب.

سوء نية أنقرة

ما يفضح سوء النية التركية أيضا، ما تم رصده من ترحيب أنقرة للعشرات من مقاتلي داعش للانضمام إلى الميليشيات التركية العاملة الآن في عفرين.

فيما يدرك معظم المسؤولين الأميركيين، ومعهم مجموعة متزايدة من الدبلوماسيين الأوروبيين والعرب، أن تركيا تسيء استخدام مسمى "الإرهاب"، كسلاح سياسي، ضد المعارضين.

وتعد الاتهامات التركية الزائفة ضد وحدات حماية الشعب مجرد "قمة جبل الجليد"، حيث اتهم أردوغان السياسيين المنافسين من الحزب الديمقراطي، الذي يضم أغلبية كردية بين أعضائه، وحزب الشعب الجمهوري (يسار الوسط)، بدعم الإرهاب، ومن ثم قام باعتقال وسجن الكثير منهم. أيضا اتهم أتباع حليفه السابق، رجل الدين فتح الله غولن، المقيم بمنفاه في ولاية بنسلفانيا، بأنهم إرهابيون، وسجن عشرات الآلاف بينما تجاهل بطريقة ما دوره في تمكين غولن.

الاحتيال بوثائق معيبة

فيما لم تقدم آلاف الوثائق التي تم تسليمها إلى السلطات الأميركية لنيل موافقتها على تسليم غولن، أي دليل ضده. كما خلصت وزارة العدل الأميركية إلى أن الوثائق التي قدمتها تركيا كانت معيبة في الغالب إن لم تكن احتيالية. إلا أن هذه المعلومات الاستخبارية الضعيفة هي القاعدة وليست الاستثناء في ظل نظام أردوغان.
وفي السنوات التي سبقت الانقلاب الفاشل في يوليو/تموز 2016، قاد أردوغان عمليات تطهير متعددة للمعارضين السياسيين، بناءً على أدلة مفبركة، وفقا لما توصلت إليه المحاكم التركية لاحقا.

عبثية المشهد التركي

يستطرد روبن، للتدليل على مدى عشوائية استخدام الاتهام بـ"الإرهاب" من جانب حكومة أنقرة، قائلا: إنه هو شخصياً من انتقد لأول مرة الفساد والتعتيم المالي في تركيا قبل 15 عاما وبعد ذلك، واستناداً إلى مجموعة واسعة من المصادر والاتصالات، أعرب عن توقعاته بنجاح حدوث انقلاب، إلا أن أردوغان اعتبر روبن إرهابيا ورصد مكافأة لمن يقبض عليه.

النفعية والفساد

تعتمد الاستخبارات التركية على النفعية السياسية والتفكير القائم على التمني أكثر من الحرفية المهنية. بالتالي، يصبح السؤال الواجب طرحه على صانعي السياسة الأميركية هو، منذ متى كانت الاستخبارات التركية فاسدة إلى هذا الحد؟ حيث إنه وقبل الأزمات الدبلوماسية الحالية، سبق وأن اعتمدت وكالة الاستخبارات المركزية ووزارة الخارجية الأميركية على الاستخبارات التركية وتكاملت معها.

مراجعات ضرورية

إذا تم أخذ حالة "حزب العمال الكردستاني" كمثال فإن وزارة الخارجية الأميركية قامت بإدراجه كتنظيم إرهابي في عام 1997، على خلفية جهود إدارة كلينتون لوضع اللمسات الأخيرة على صفقات مبيعات أسلحة كبيرة لتركيا. وكما تعرض الكاتبة أليزا ماركوس في مؤلفها الذي يحمل عنوان "الدم والإيمان" حول حزب العمال الكردستاني، فإنه ربما تورط حزب العمال الكردستاني في أعمال عنف وربما نشاط إرهابي في السنوات الأولى من حملته، ولكن نضجت أساليب الحزب في التعبير عن التمرد بحلول أواخر التسعينيات.

وكان الرئيس التركي الراحل تورغوت أوزال يخطط حتى لإجراء مفاوضات جادة مع حزب العمال الكردستاني قبل أن يصاب بالنوبة القلبية، التي أودت بحياته في عام 1993. وبعد مرور 20 عاما، ربما يكون هناك حاجة إلى إعادة النظر في استمرار إدراج حزب العمال الكردستاني على القوائم السوداء للتنظيمات الإرهابية.

القضاء البلجيكي ينصف الأكراد

في الواقع، قضت محكمة بلجيكية، في وقت سابق من العام الجاري، بأن حزب العمال الكردستاني وتوابعه في المجتمع المدني ليسوا منظمة إرهابية. ويعد هذا الحكم القضائي هو الأحدث في سلسلة من الخسائر التركية، بعدما قامت المحاكم الأوروبية بفحص الأدلة وراء وصف حزب العمال الكردستاني باتهام "الإرهاب". ولكن هذا لا يعني أنه لم يكن هناك إرهاب كردي موجه ضد تركيا، حيث سبق في الماضي أن قامت صقور الحرية الكردستانية TAK بشن هجمات داخل تركيا، ولكن لا يوجد دليل على أن هذه الهجمات تم التخطيط والتدبير لها في سوريا أو في معقل حزب العمال الكردستاني على جبل قنديل في العراق، أو أن أعمال حزب العمال الكردستاني وأنشطة "صقور الحرية" يمكن اعتبارهما وجهان لنفس العملة، إذ يمكن أن يكون الاحتمال الأكثر ترجيحا أن هناك ثمة مفسدين إرهابيين آخرين يسعون إلى تقويض المصالحة على مر السنين.

وفيما يتعلق بالولايات المتحدة، لا يقتصر السؤال فقط على ما إذا كان هناك أي دليل مستقل عن مصادر الحكومة التركية لدعم المزاعم بأن حزب العمال الكردستاني منظمة إرهابية، ولكن أيضا يجب إعادة النظر فيما إذا كان كبار المسؤولين الأكراد مجرمين.

معلومات مغلوطة ومضللة

يشير روبن إلى أن الأمر يتلخص ببساطة في أنه يبدو أن تركيا، ووكالة المخابرات التركية MIT بشكل خاص، تسيء استخدام العمليات الاستخباراتية والدبلوماسية من خلال السعي للزج بمعلومات استخبارية مغلوطة وكاذبة من أجل تقييد وتخريب الخيارات الدبلوماسية الأميركية. لذا فقد حان الوقت حاليا لأن تقوم المخابرات المركزية بتدقيق كل معلومة استخباراتية حصلت عليها من تركيا على مدار الأعوام الماضية، بدلاً من القبول الأعمى بالاتهامات التركية ضد وحدات حماية الشعب، وحزب العمال الكردستاني، وكبار المثقفين والناشطين الأكراد.


تجنب التسيس والإفساد

إن تلك الخطوة من شأنها أن تضمن بقاء المعلومات المتاحة للمخابرات الأميركية خالية وبعيدة عن التسيس والإفساد، وبما يضمن عدم إساءة استغلال تركيا للتعاون الاستخباراتي للتلاعب بالدبلوماسية الأميركية وخططها السياسية. وربما يكشف مثل هذا التدقيق أن الاستنتاجات، التي تبنتها وكالة المخابرات المركزية ووزارة الخارجية الأميركية، لها ما يبررها. ولكن على الأرجح، نظرا لما ثبت مؤخرا من أن هناك احتيالا بالملفات التركية، فسوف يصبح من الواضح أن هناك حاجة إلى إعادة تقييم كبرى في مواقف وقرارات واشنطن.

يختتم روبن مقاله بتوصية مفادها أنه في كلتا الحالتين، وبينما تتخذ إدارة ترمب ومبعوثها الخاص إلى سوريا قرارات مصيرية يمكن أن تؤثر على المنطقة لعقود من الزمن، لا ينبغي أن ينساق أي مسؤول، بدافع الكياسة الدبلوماسية المتمثلة في أخذ أي معلومة صادرة من تركيا على محمل الصدق أو الأمانة، في معرض سعيه لتقصي الحقائق على أرض الواقع بعيدا عن الزيف والأكاذيب التي تقوم المخابرات التركية بدسها بين طيات الملفات المقدمة للجانب الأميركي.

انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.