.
.
.
.

قصة مجموعة سرية تستهدف دبلوماسيي كوريا الشمالية

نشر في: آخر تحديث:

ذات صباح في نوفمبر 2018 غادر أكبر دبلوماسي كوري شمالي في إيطاليا مجمع سفارته مع زوجته وأخبر زملاءه أنهما ذاهبان في نزهة. وبدلاً من ذلك، استقلا سيارة متوقفة في مكان قريب ولم يعودا أبداً.

ويقول أشخاص مطلعون على العملية إن قائد السيارة المهربة في ذلك اليوم كان عضواً في مجموعة سرية تسمى "فري جوسن"، وقد كشفت تفاصيلها صحيفة "وول ستريت جورنال".

نظمت "فري جوسن"، التي يقع مقرها في جنوب كاليفورنيا، وهي مكرسة لإسقاط نظام كيم يونغ أون في كوريا الشمالية، على مدى العقد الماضي عمليات الهروب والانشقاقات، وسرقة وثائق حكومية، وهربت بنجاح عائلة أخي كيم، الذي كان يقيم في المنفى ثم قتل عام 2017، وفق الصحيفة. كما تبدو المنظمة، من خلال سجلها الحافل، ذراعاً للاستخبارات الأميركية.

إلى ذلك أثار نشاطها المستمر، ولكن غير المعروف، التحذيرات منها داخل كوريا الشمالية، مما وجه ضربة لصورة الاستقرار التي رسمها النظام بعناية. لم يتم الإعلان عن تورط المنظمة في انشقاق أبرز دبلوماسيي كوريا الشمالية في إيطاليا، جو سونغ جيل، من قبل. ويقول أشخاص مطلعون على الأحداث إن جو وزوجته يختبئان الآن في بلد غربي لم يكشف عنه.

بدورها، أرسلت كوريا الشمالية قتلة محترفين لاستهداف أعضاء في المجموعة، وفقاً للمخابرات الأميركية في شهادة خلال الصيف الماضي. وبعد محاولات عديدة لمنظمة "فري جوسن" لإغراء الدبلوماسيين الكوريين الشماليين، نبه أولئك الذين يعيشون في الخارج منها باجتماع الصيف الماضي في بيونغ يانغ بمحاضرة حول الولاء للنظام. وقد أدت عمليات "فري جوسن" ومؤسسها إلى الانقسام حول نشاطاتها.

مؤسسها هو ناشط سابق في مجال حقوقي تلقى تعليماً في جامعة ييل يدعى أدريان هونغ. انقسم الكوريون حوله فيما إذا كان وسيطاً مارقاً، أو معارضاً رائعاً مثيراً للإعجاب ضد نظام شرس، وفق الصحيفة. ومن بين أمور أخرى عملت المجموعة على خطط لتشكيل حكومة بديلة فيما إذا سقط نظام كيم.

ظلت مجموعة "فري جوسن" وأدريان هونغ صامتين في الغالب منذ فشل عملية لهما كبيرة في إسبانيا العام الماضي نتيجة سلسلة من الأخطاء، بما في ذلك إصابة زوجة دبلوماسي بساقها أثناء محاولتها الهرب من مجمع السفارة، وبعدها أجهض الأعضاء المهمة ونظموا هروبهم عائدين إلى الولايات المتحدة.

إن المقاومة المنظمة ضد السلطة داخل كوريا الشمالية أمر لم يسمع بها من قبل. فمواطنوها يراقبون على درجات متعددة. حيث يتم إرسال المعارضين المشتبه بهم إلى معسكرات الاعتقال، غالباً مع أسرهم. وفي غياب المعارضة الداخلية، يتدخل المنفيون الكوريون الشماليون، والمستقلون مثل "فري جوسن". و"جوسن" هو اسم مملكة كورية قديمة وما زالت تستخدمه كوريا الشمالية للإشارة إلى نفسها.

ويختبئ رئيسها، أدريان هونغ (36 سنة) وأعضاء آخرون لتجنب الاعتقال والتسليم إلى إسبانيا، حيث يواجهون هناك اتهامات بما في ذلك خطف الرهائن والسطو. أحد المعاونين، وهو جندي سابق في مشاة البحرية الأميركية يدعى كريستوفر آهن، تم القبض عليه من قبل الجانب الأميركي وخرج بكفالة، بشرط ألا يتواصل مع المجموعة.

ساعد المئات على الانشقاق

إلى ذلك قال متحدث باسم "فري جوسن" إن المجموعة قدمت معلومات استخبارية قيمة إلى الحكومات الأجنبية، بما في ذلك حول البرنامج النووي لكوريا الشمالية. ورفضت المجموعة التعليق على العديد من الأمور المحددة المتعلقة بأنشطتها، بما في ذلك الانشقاقات.

ولفت مسؤول أميركي إلى أن أدريان هونغ ساعد المئات من الكوريين الشماليين على الانشقاق، ويدعي أنه لا يتم تمويله أو توجيهه من قبل الحكومة الأميركية.

منازل آمنة

وتعود جذور منظمة "فري جوسن" إلى أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عندما كان هونغ أستاذاً بالتاريخ في جامعة ييل. مستوحياً من مذكرات هروب كوري شمالي، نجا من أحد معسكرات الاعتقال في البلاد. وقد ساعد هونغ في تأسيس منظمة غير حكومية تسمى "ليبرتي" في كوريا الشمالية، تركز على مساعدة الكوريين الشماليين على الفرار.

في ذلك الوقت، كان اللاجئون الكوريون الشماليون يتدفقون على حدود بلادهم مع الصين سعياً للهروب من "المجاعة والدولة الوحشية"، وفق الصحيفة. وأعادت الصين لاجئين أسرى إلى كوريا الشمالية، تعرض الكثير منهم للتعذيب أو القتل.

كما قال هونغ في محادثات عامة إنه نظم فرقاً لتطوير منازل آمنة للاجئين في الصين حتى يتمكنوا من الوصول إلى السفارات الصديقة أو الدول المفتوحة لمساعدتهم. كان العمل غير قانوني في الصين. وأقامت مجموعته عشرات المنازل الآمنة وساعدت المئات من عمليات الهروب الناجحة، وفق قوله.

زعيم كوريا الشمالية كيم يونغ أون
زعيم كوريا الشمالية كيم يونغ أون

انفصال عن "ليبرتي"

في عام 2006، ألقت السلطات الصينية القبض عليه واثنين من مساعديه، إلى جانب ستة كوريين شماليين طلبوا اللجوء. دخل هونغ في إضراب عن الطعام، وتواصل مع جهات أميركية من أجل إطلاق سراح المجموعة.

بعد 10 أيام، أطلق سراح هونغ ومعاونوه. وبناء على إلحاح من الولايات المتحدة أطلقت الصين لاحقاً سراح الكوريين الشماليين أيضاً.

وفي النهاية انفصل عن تنظيم "ليبرتي" في كوريا الشمالية. ويقول هانا سونغ، الرئيس الحالي للمجموعة، إنه لم تعد له أي صلة به.

تطور المجموعة

إلى ذلك أقام هونغ علاقات مع شخصيات مهمة، وحضر مناسبات في البيت الأبيض. بدأ مجموعته، وكان يطلق عليها في البداية اسم "الدفاع المدني"، ونمت لتصبح منظمة محكمة مجزأة تضم عشرات الأشخاص، وفقاً لأولئك المطلعين على المجموعة.

عمل أعضاؤها على تحديد الكوريين الشماليين رفيعي المستوى الذين قد يكونون على استعداد للانشقاق واعتمدوا الاتصالات المشفرة.

بدل هونغ ملامحه فزاد وزنه وأطلق لحيته، وشعره الطويل الذي ربطه مثل ذيل حصان. وقال هؤلاء الأشخاص إنه كان يستخدم العديد من الهواتف، ويحمل أجهزته الإلكترونية في حقيبة مبطنة بقماش معدني يمنع التنصت الرقمي ويلتقي بمسؤولي اتصال في زوايا ردهات الفنادق الغامضة حول العالم.

مقتل الأخ غير الشقيق للرئيس الكوري الشمالي

انكشف مشروع هونغ علنياً عام 2017 بعد مقتل الأخ غير الشقيق للرئيس الكوري الشمالي، كيم يونغ أون، كيم يونغ نام. وألقى مسؤولون أميركيون باللوم في عملية الاغتيال على كوريا الشمالية، التي تنفيها.

ترافق هونغ وأهن، من قوات المارينز سابقاً، إلى ماكاو ورافقوا عائلة كيم يونغ نام إلى تايوان، حيث ساعدهم عملاء من وكالة استخبارات غربية في السفر إلى بلد ثالث.

بعد شهر من مقتل كيم يونغ نام، عرض موقع على الإنترنت مقطع فيديو قصير لابنة كيم هان سول تقول فيها إنها كانت مع والدته وشقيقته. وقالت في رسالة على الموقع الإلكتروني إنها يمكن أن تساعد الكوريين الشماليين الآخرين على الهروب وطلبت التبرعات.

وعلى مدار العام التالي، تفاخر الموقع بإنقاذ آخرين وشجع الجميع على طلب مساعدة المجموعة، لأن الأمر يتعلق بتهريب أكبر دبلوماسي من كوريا الشمالية في إيطاليا عام 2018. لم يكن أمام هونغ سوى أن يخطط لأفضل عملية لإخراجه من السفارة في روما. ويقع المجمع على قمة تل في ضاحية فخمة، حيث ينتظر السائقون غالباً في المركبات على طول الشوارع الهادئة، مما يسهل على السائق المهرب الاندماج.

الأخ غير الشقيق لزعيم كوريا الشمالية كيم يونغ نام
الأخ غير الشقيق لزعيم كوريا الشمالية كيم يونغ نام

الجزء الصعب

كان الوصول إلى الدبلوماسي جو الجزء الصعب. فنادراً ما يُسمح للدبلوماسيين الكوريين الشماليين بأن يكونوا بمفردهم في الأماكن العامة، كجزء من سياسة الأمن لمنع أشخاص مثل هونغ من إغرائهم بالانشقاق أو تجنيدهم في المخابرات الأجنبية.

وأينما ذهب الدبلوماسي حول روما كان يرافقه موظف يدعى باك. وعلى الرغم من أن جو قدم باك كمساعد له إلا أن السياسيين الإيطاليين الذين التقوا بالاثنين قالوا إنهم افترضوا أنهما للتجسس على بعضهما البعض.

كما قال العديد من المشرعين والناشطين الإيطاليين إن الدبلوماسي جو الذي كان يرتدي بذلات داكنة ودبوس "الموجه الأعلى" الذي يجب أن يرتديه الكوريون الشماليون، بدا متحمساً في الدفاع عن البلاد مع تلميح قليل من الانتقادات. كان تعامله رسمياً لدرجة أن المسؤولين الإيطاليين اعتقدوا أنه خضع لتدريب مكثف على الأصول.

ومع ذلك، بعد تناول الطعام مع الأصدقاء المحليين، كان جو يسمح للآخرين بدفع الفاتورة- وهي صفة شائعة بين الدبلوماسيين الكوريين الشماليين الذين يعانون من ضائقة مالية.

"صُدمنا جميعاً"

إلى ذلك قال أوزفالدو نابولي، وهو مشرع إيطالي يرأس لجنة للتعاون مع كوريا الشمالية والتقى بجو عدة مرات: "لقد كان كورياً في الصميم، لقد صُدمنا جميعاً" عندما انشق.

كان جو يعيش في روما مع زوجته وابنته، التي كانت آنذاك تبلغ 17 عاماً، وهي علامة ثقة فيه من قبل النظام، نظراً إلى أن بعض المسؤولين الكوريين الشماليين في الخارج يجب أن يتركوا ذويهم في بيونغ يانغ كتأمين ضد الانشقاق.

من غير الواضح بالضبط كيف ومتى التقى هونغ وجو ، ولكن شخصا مطلعا على الأمر قال إن هونغ قدم نفسه كرجل أعمال مهتماً بالاستثمار في كوريا الشمالية.

آخر ظهور

وظهر الدبلوماسي جو للمرة الأخيرة في حفل كوكتيل للاحتفال بعيد استقلال كوريا الشمالية في سبتمبر 2018.

اكتظت غرفة الاستقبال في السفارة بالسياسيين والاقتصاديين الإيطاليين، وكانت الجدران عارية في الغالب، باستثناء الصور المؤطرة الإلزامية لوالد كيم يونغ أون القائد وجده. ألقى جو كلمة معارضة شديدة ضد الولايات المتحدة. وأكد على عودته الوشيكة إلى بيونغ يانغ، المقررة في نهاية نوفمبر، وقال إنه كان يأمل في القيام برحلة أخيرة في إيطاليا. كما ذكر أنطونيو رازي، السيناتور الإيطالي السابق الناشط في قضايا كوريا الشمالية ويعتبر صديقاً له.

إلى ذلك خطط السيناتور رازي لحفل غداء وداعي له في أواخر نوفمبر. لاحقاً، رحل جو. بعد خروجه من السفارة. أخذ سائق المنظمة الزوجين إلى منزل آمن، وفقاً لأشخاص مطلعين على العملية، وتم ترتيب تسليمهما إلى حكومة غربية كطالبي لجوء سياسي.

"اضطراب نفسي غير معروف"

تسربت أخبار انشقاق جو الى داخل كوريا الجنوبية، حيث علمت مصادر المخابرات بها من خلال قنواتها الخاصة.

ثم ظهرت أنباء مفادها أن جو وزوجته هربا من دون ابنتهما. وقال مسؤولون كوريون شماليون إن الدبلوماسي المنشق يعاني من اضطراب نفسي غير معروف. وقد أعيدت الفتاة إلى بيونغ يانغ.

وقد أثار ذلك قلق بعض المسؤولين الإيطاليين، نظراً لتاريخ كوريا الشمالية في تطبيق العقوبات على عائلات السياسيين المشتبه بهم.

"شجار عائلي"

وبعد أن أثار المسؤولون الإيطاليون علناً مخاوف بشأن هذه المسألة، أرسلت سفارة كوريا الشمالية رسالة إلى نابولي، النائب الإيطالي الذي يعرف جو. وقالت الرسالة إن الانشقاق نتج عن "شجار عائلي" بين جو وزوجته حول رعاية ابنتهما. وأنه بعد نزاع حاد، خرج الزوجان من السفارة، تاركين الفتاة عن قصد. وقالت الرسالة إن الفتاة طلبت بعد ذلك العودة إلى بيونغ يانغ لتكون مع جدها. ولم يتسن لنا الوصول الى الدبلوماسي المنشق جو ورفض التنظي توضيح موقف الفتاة.

إلى ذلك اعتبر مراقبون مهتمون بشؤون كوريا الشمالية أنه من المحتمل أن يكون جو قد ترك ابنته عن قصد، بالنظر إلى تاريخ المنشقين الذين اتخذوا قراراً صعباً بترك أحبائهم وراءهم.

وقال آخرون إنهم يعتقدون أن الفتاة قد تركت وراءهم بالخطأ. والتفسير الآخر انه ربما كانت العائلة تحاول المغادرة ولكن لسبب ما كانت ابنتهم غير راغبة، مما أجبر الوالدين على تركها.

"الخطف" يرقى إلى مستوى غزو

تسببت المشاكل المحيطة بابنة جو في البحث عن حلول. وأقنعت عودتها إلى كوريا الشمالية فريق "فري جوسن" بضرورة القيام بترتيبات أفضل لحماية أسر المنشقين.

كما قال هؤلاء الأشخاص إنه من أجل تهريب دبلوماسي وعائلته في مدريد، توصلت المجموعة إلى فكرة جعلها تبدو وكأنها عملية خطف بدلاً من انشقاق. وقد خلصت المجموعة إلى أن ذلك قد ينقذ عائلة الرجل من الانتقام من قبل نظام كيم.

لكن النتيجة كانت عملياً أكبر وأكثر خطورة من المهمة الإيطالية. فدخول شخص إلى السفارة متخفياً على أنه خاطف يرقى إلى مستوى غزو أراضي كوريا الشمالية.

في الفريق آهن، وهو طالب يدرس الإنتاج، وأميركي كوري، وهارب كوري شمالي عاش في لوس أنجلوس. ووفقاً لوثائق المحكمة الإسبانية، كان في المجموعة خمسة رجال على الأقل في العشرينات من العمر يحملون جوازات سفر كورية جنوبية.

زعيم كوريا الشمالية كيم يونغ أون
زعيم كوريا الشمالية كيم يونغ أون

سلسلة من الأحداث قبل العملية

كما كشفت تلك الوثائق والمقابلات أمام رجال القانون سلسلة من الأحداث التي بدأت قبل العملية بعدة أشهر، عندما وصلت المجموعة إلى فندق بالقرب من السفارة لاستكشاف الموقع، وهو مبنى بني يشبه الحصن خلف جدار مغطى باللبلاب.

في فبراير 2019 ، عاد هونغ واقترب من السفارة، حيث عرف نفسه بأنه ماثيو تشاو، الشريك الإداري لصندوق استثماري وهمي. قال إنه يرغب في ترك هدية لمستثمر مهتم بممارسة الأعمال التجارية في كوريا الشمالية، والتحدث إلى سو الملحق التجاري - الرجل الذي يحاول تهريبه في النهاية. ومثل المنشق جو في إيطاليا، كان سو أكبر دبلوماسي بالسفارة عام 2017 بعد أن أدت تجربة نووية في كوريا الشمالية إلى طرد السفير السابق.

جاء إلى الباب، حيث أجرى الرجلان محادثة قصيرة، ولم يكن واضحاً للمراقبين ما ناقشوه. بعد أسبوعين، عاد هونغ واقترب من سفارة كوريا الشمالية في حوالي الساعة الخامسة مساءً.

سكاكين وأنابيب وأصفاد

هذه المرة، كان أعضاء التنظيم يقفون بعيداً عن الأنظار في الطريق. كانت لديهم أقنعة للتزلج ومسدسات وهمية، بالإضافة إلى السكاكين والأنابيب والأصفاد والأشرطة اللاصقة وسلم قابل للطي وأكياس.

تعرّف الشخص الموجود عند الباب على هونغ، الذي كان يرتدي بدلة سوداء وادعى أن لديه موعداً مع سو. دعاه الرجل داخل سور السفارة للانتظار بينما كان الموظفون يبحثون عن سو.

وحسب المحققين، قام هونغ بفتح البوابة الخارجية وأشار إلى أن زملاءه سارعوا إلى الدخول، وفقاً لشهادة من موظفي السفارة السبعة بالداخل. لوحوا بالبنادق المزيفة، وقيدوا أيدي الكوريين الشماليين ووضعوا أكياساً فوق رؤوسهم.

كان أعضاء مجموعة "فري جوسن" يتحدثون الكورية مع الموظفين بلكنة كورية جنوبية. ويتم تلقين مواطني كوريا الشمالية منذ صغرهم ليكرهوا الجنوب ويخافون منه. عندما رأوا البنادق وسمعوا لهجات كوريا الجنوبية، استنتجوا أنهم تعرضوا لهجوم من "عدو لا يرحم"، وفق شهادتهم.

صور ممزقة

وقف أحد أعضاء المجموعة، وهو منشق من كوريا الشمالية، على كرسي، وصور ممزقة لوالد كيم يونغ أون على الأرض. في كوريا الشمالية، يعتبر هذا الأمر جريمة يعاقب عليها بالموت. ويظهر مقطع فيديو قصير نشرته المجموعة لاحقاً رجلاً يمزق الصور.

بحلول ذلك الوقت أصبحت الأمور تسير على نحو خاطئ. وقيدت مجموعة الموظفين في الطابق الأول. واعتقدت امرأة في الطابق الثاني، زوجة الرجل الذي ترك هونغ ينتظر في البوابة الأمامية، أن السفارة تعرضت للهجوم، فاختبأت في غرفتها ثم صعدت إلى شرفتها وقفزت.

أصابت رأسها وساقها، وبدأت تنزف. هربت وهي تعرج عبر ملاعب التنس وكرة الطائرة بالسفارة، ثم خرجت من مدخل جانبي للشارع. أقلها سائق سيارة مارة إلى عيادة على الطريق، حيث تم استدعاء سيارة إسعاف.

لم يتمكن ضباط الشرطة الذين وصلوا إلى مكان الحادث من فهم ما تقوله. وباستخدام ترجمة غوغل، أدركوا أنها تتحدث عن متسللين قد غزوا سفارة كوريا الشمالية في مكان قريب وأنهم جواسيس كوريون جنوبيون.

وصول الشرطة

بعد أكثر من ساعة على الهجوم، دق ثلاثة من الشرطة الإسبانية جرس الباب، فصدم أفراد المجموعة بالداخل. من خلال شاشات الفيديو وصوت صفارات الإنذار، كان من الواضح أن ضباط الشرطة عند الباب.

توجه هونغ إلى الباب، حيث تظاهر بأنه دبلوماسي كوري شمالي. حيا الشرطة باللغة الإسبانية، وأكد لهم أن كل شيء على ما يرام. كما ذكّرهم بلطف أنه بموجب القوانين الدبلوماسية، يجب على الشرطة إبلاغهم رسمياً في حالة إصابة مواطن كوري شمالي. قررت الشرطة عدم الدخول وظلت متوقفة خارج السفارة، وعاد هونغ إلى الداخل.

قامت المجموعة بعزل سو، الدبلوماسي الكوري الشمالي البارز، عن البقية وتم نزع أصفاده وإزالة الكيس من على رأسه. وحثوه على الانشقاق، وفقاً لأشخاص مطلعين على القضية. زوجته وابنه اللذان يقيمان معه في السفارة، كانا محتجزين بشكل منفصل عن باقي الموظفين في غرفة النوم. إذا غادروا الآن يمكن للعائلة أن تقول إنهم اختطفوا مما يقلل من العقوبات على أقاربه في الوطن.

رفض وضرب

خوفاً على سلامته وبدون تفاصيل واضحة للجوء رفض سو، وفقاً لأشخاص مطلعين. الحقيقة الأخرى أن الشرطة كانت تتربص بالخارج وتراقب ما يحدث لم تساعد.

وأبلغ الدبلوماسي المحققين الإسبان فيما بعد أن الرجال حاولوا إجباره على الانشقاق ضد إرادته وأن يصبح "سفيراً" لدولة كورية حرة جديدة تحل محل جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية، أو ببساطة يتخلى عن بلاده للحصول على اللجوء في الغرب. ويظهر مقطع فيديو استعرضته صحيفة "وول ستريت جورنال" السيد يبتسم ويضحك لفترة وجيزة خلال مناقشة مع هونغ الذي قام بتصوير جزء كبير من الهجوم على السفارة لكنه لم ينشر سوى بعض المقتطفات.

قال سو وغيره من موظفي السفارة للمحققين إنهم تعرضوا للضرب المبرح. كما ذكر شخص مطلع على التحقيق أن سو كان يعاني من كدمات وجرح كبير في وجهه.

المجموعة تنفي

نفت المجموعة ضرب أحد وقالت إن الجروح التي أصيب بها موظفو السفارة ألحقت نفسها بنفسها لتجنب الاشتباه في التواطؤ أمام محققين من كوريا الشمالية.

وقال محامي هونغ، لي ولوسكي، في بيان مكتوب إن الأدلة الفوتوغرافية تثبت دعوة أعضاء المجموعة إلى السفارة. وأشار إلى أن السلطات الإسبانية أجرت مقابلات مع موظفي السفارة في وقت لاحق في حضور مسؤولين كبار من كوريا الشمالية، مما يجعل حساباتهم "غير موثوقة بطبيعتها".

في نهاية المطاف تخلت مجموعة هونغ عن محاولة إقناع سو. ربطوه مرة أخرى وأعادوه إلى غرفة اجتماعات حيث كان موظفو السفارة الآخرون محتجزين.

نهب أعضاء الفريق المكاتب بحثاً عن معلومات استخبارية مفيدة. استولوا على محركي أقراص وجهازي كمبيوتر محمولين، وهاتف محمول، ومحرك أقراص متصل بكاميرا فيديو داخلية.

مرت أكثر من أربع ساعات منذ بدء الهجوم وكانت هناك ثلاث سيارات دورية للشرطة على الأقل تنتظر في الخارج. أي هروب كان يجب أن يكون جريئاً.

عثرت مجموعة هونغ على مفاتيح لثلاث سيارات للسفارة، وهي أودي A8 ومرسيدس فيانو وتويوتا راف 4. خرجوا من البوابة الأمامية واجتازوا الشرطة المنتظرة، وهربوا. بقي هونغ في الخلف لضمان عدم قيام أحد بإبلاغ الشرطة. ثم تسلق هو وعضو آخر في المجموعة جدار خلفي إلى أرض كبيرة خالية خلف السفارة، واتصلوا بسيارة أوبر تحت الاسم المستعار، أوزوالدو ترمب.

هذا ما فعله "الفيدرالي الأميركي"

في اليوم التالي كان هونغ في لشبونة في رحلة طيران إلى نيويورك. بعد عودته إلى الولايات المتحدة، وذلك وفقاً لوثائق المحكمة والأشخاص المطلعين على الأحداث، قرر هونغ عقد اجتماع مع مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي، حيث سلم شرائح وغيرها من أجهزة الكمبيوتر التي استولى عليها من السفارة. كان سوء تقدير من جانبه.

قرر مكتب التحقيقات الفيدرالي أنه من الخطر للغاية التكتم على مجموعة تنفذ مثل هذه العمليات على أرض أجنبية وكشفوا هوية هونغ للسلطات الأسبانية التي تحقق في اقتحام السفارة وأرسلوا في النهاية شرائح الكمبيوتر إلى إسبانيا.

ملصق المطلوب هونغ قيل فيه إنه شوهد لآخر مرة يقود سيارة كيا سول بيضاء اللون. ولم يره أحد منذ ذلك الحين
ملصق المطلوب هونغ قيل فيه إنه شوهد لآخر مرة يقود سيارة كيا سول بيضاء اللون. ولم يره أحد منذ ذلك الحين

الاعتداء وأخذ الرهائن

باستخدام هذه المعلومات ولقطات من الكاميرات الأمنية، وشهادة من موظفي السفارة، قامت السلطات الإسبانية بتجميع الأحداث ومعرفة أسماء أعضاء الفريق الآخرين. واتهمت هونغ وأربعة آخرين بمجموعة من الجرائم بما في ذلك الاختراق والدخول والاعتداء وأخذ الرهائن والسرقة والتزوير.

في مايو، كسرت الشرطة الأميركية باب شقة في لوس أنجلوس يستخدمها هونغ. لكنه كان قد اختفى بالفعل تحت الأرض. وسبق لمكتب التحقيقات الفيدرالي أن أبلغ في وقت سابق التنظيم بأنه تلقى معلومات استخبارية ذات مصداقية عن تهديد خطير، عن فريق قتلة كوريين شماليين ضد هونغ وأعضاء آخرين في المجموعة.

وداخل الشقة كان آهن، الذي اعتقل على الفور ثم أُفرج عنه بكفالة في يوليو. ورفض محاموه التعليق. وبقي الآخرون طلقاء.