.
.
.
.
انفجار بيروت

عام على انفجار مرفأ بيروت.. أهالي ضحايا: "الله لا يسامحهم"

في ذكرى مرور عام على انفجار مرفأ بيروت أهالي بعض الضحايا يعبرون لـ #العربية_نت عن حزنهم وغضبهم.. "الحزن على فراقها يكبر يوماً بعد يوم"

نشر في: آخر تحديث:

تحلّ اليوم الذكرى السنوية الأولى لانفجار بيروت الذي استهدف المرفأ في الرابع من أغسطس/آب 2020، وجرح عائلات الضحايا لا يزال ينزف.

قصص من فقد ولداً أو زوجاً أو أخاً تتوالى، فالندوب لم تلحم بعد، والألم ككرة الثلج يكبر يوماً بعد يوم.

ولعل ما عمّق جراحهم أكثر الوعود التي قطعها من يُفترض أنهم في موقع المسؤولية بنشر نتائج التحقيق في غضون أيام قليلة فقط بعد الحادث الذي صُنّف بثالث أقوى انفجار غير نووي في العالم، إلا أن الملابسات والأسباب الحقيقية لا تزال غير معروفة بشكل دقيق رغم أن وثائق رسمية بيّنت أن مسؤولين كثراً، سياسيين وأمنيين، كانوا على علم بمخاطر تخزين مادة نيترات الأمونيوم في مرفأ بيروت التي أدّت إلى تدميره "عن بكرة أبيه"، ومقتل 218 شخصاً وجرح أكثر من 6000 آخرين.

وأتت قضية رفع الحصانات وإعطاء الأذونات التي باشر بها المحقق العدلي في الانفجار القاضي طارق البيطار منذ أسابيع ضد عدد من المسؤولين السياسيين والأمنيين بتهمة الإهمال والتقصير والقصد المحتمل لجريمة القتل، لتزيد نزف جراحهم بسبب التفاف أركان السلطة حولها بحجّة مخالفة المحقق العدلي لأصول رفع الحصانات وتجاوزه الصلاحيات.

"روان بتسوى دموع العين"

"لن أنسى ولن أسامح. أخذوا منّي بنتي اللي بتسوى دموع العين. قلبي يبكي ليلاً نهاراً" بغصّة تقول منى جاويش والدة الضحية روان مستو لـ"العربية.نت".

روان مستو
روان مستو

روان ابنة الـ24 عاماً، وهي لاجئة كردية سورية كانت تعمل نادلة في بيروت، كانت المُعيل الوحيد للعائلة الصغيرة المؤلّفة من 4 أفراد، وكانت تُخطط لدخول كلية الإخراج والتمثيل في العام المقبل، إلا أن الموت كان أسرع من أحلامها.

وبصوت خافت يخرقه البكاء تُضيف: "عام مُظلم مرّ علينا من دون روان. البسمة والفرحة رحلتا معها. جرحي يكبر يوماً بعد يوم. أشتاق إلى رائحتها وضمّها إلى صدري".

وحمّلت منى "الدولة اللبنانية مسؤولية ما حلّ بنا. فهي من أدخلت نيترات الأمونيوم الى المرفأ لينفجر بأبنائنا".

وبحزم تؤكد الوالدة المفجوعة أنها ستُناضل حتى النهاية من أجل إحقاق الحق، وإذا لم تتحقق عدالة الأرض فعدالة السماء تنتظرهم، "وين بدّن يروحوا من قدّام ربّنا. إن شاء الله بيحترق قلبن مثل ما حرقوا قلوبنا".

جهاد كان السَنَد

في مستشفى "القديس جاورجيوس – الروم" في الأشرفية قرب وسط بيروت، كل شيء كان يسير كالمعتاد قبل الساعة السادسة غروب الثلثاء 4 أغسطس/آب.

جهاد سعادة مع عائلته
جهاد سعادة مع عائلته

كان جهاد سعادة، الأب لولدين وابن بلدة مزيارا (شمال لبنان)، إلى جانب طفلته جيما التي تتلقى العلاج في القسم المخصص للأطفال المصابين بالسرطان. وقرابة الساعة السادسة وعشر دقائق دوّى الانفجار فتتطاير معه جدرانُ المستشفى وسقط جدارٌ على جهاد.

وبغصّة تقول زوجته سهى لـ"العربية.نت" "خسارتنا كبيرة. فقدنا شخصاً كان السند في كل شيء. الأولاد يسألون عنه دائماً ولا أجد الإجابات الشافية لأفسّر لهم ما حصل الرابع من أغسطس/آب الماضي".

وأكثر ما يحزّ في قلب سهى "أننا وُعدنا بمعرفة الحقيقة بعد خمسة أيام من الانفجار، ولكن حتى الآن لا جواب رسمياً.. كلّهم كذّابين وإن شاء الله بيدوقوا إللي دقناه".

وتتابع: "جهاد راح ولا شيء سيعوّض غيابه. العدالة يجب أن تتحقق من أجل ضمان مستقبل أولادنا وحمايتهم وكي لا يعيشوا ما عشناه".

"احتفلت بعيد ميلادها أمام قبرها"

وكما جهاد كذلك جيسيكا بزجيان، ممرضة كانت تعمل في مستشفى "الروم" منذ عامين، وبعد أن دخلت الباب الرئيسي بلحظات دوّى الانفجار الذي وصل عصفه إلى مدخل المستشفى، حيث دفع بها بقوة نحو أحد الأعمدة ليرتطم رأسها به وتسقط ضحية.

جيسيكا بزجيان
جيسيكا بزجيان

بقلب محروق على فقدانها فلذة كبدها تقول والدتها سوزان لـ"العربية.نت": "أصبحت جسدا بلا روح بعد غياب جيسيكا. حياتي بعدها أصبحت سوداء".

جيسيكا الشابة الجميلة ابنة الـ22 عاماً كانت تُخطط للاحتفال بعيد ميلادها بعد أسابيع. وقبل أن تتوجّه إلى عملها في المستشفى يوم الانفجار سألت والدتها ما إذا كانت تُحضّر لها مفاجأة بالمناسبة، فأجابتها بعد أن قبّلتها أنها ستكون مفاجأة كبرى من دون أن تُدرك أن لقاءهما هو الأخير وأنها ستحتفل بعيد ميلادها من دون "شمعة حياتها".

وتروي الوالدة: "احتفلت بعيد ميلاد جيسكيا أمام قبرها. أخذت قالباً من الحلوى مع شمعة واحدة عن عامها الأوّل في السماء. وفي كل عام سأفعل الشيء نفسه".

وتؤكد: "لن نستكين حتى تحقيق العدالة. لن أغفر ولن أسامح. كل يوم وبعد أن اُقبّل صورتها أطلب من الله أن يُصيبهم ما أصابنا، علماً أنهم لا يموتون، لأنهم يتلذذون بشرب الدم".

وبحرقة تسأل: "ما هو الجرم الذي اقترفته ليحلّ بي ما حصل؟ لم أرسل جيسكيا إلى جبهة الحرب لتلقى هذا المصير وإنما كانت في أكثر مكان يُفترض أنه آمن حتى في زمن الحروب، أي المستشفى.

وتضيف: "كنت دائماً أخاف على شقيقتها روزالين مُضيفة الطيران، لأن عملها فيه خطورة وأقول لها دائماً ليتك تعملين مثل جيسيكا في المستشفى. لكن لسخرية القدر كان الخطر على الأرض في المستشفى وليس في الجوّ".

وناشدت الأم سوزان الشعب اللبناني عدم الاستسلام وأن "يصرخ بصوت واحد: كفى".

العدالة ستتحقق

في 6 يونيو/حزيران 2021، كان من المفترض أن ترتدي سحر فارس، الشابة الوحيدة ضمن فريق من 10 أشخاص من فوج إطفاء بيروت الذي قضى أعضاءه جميعاً بالانفجار، فستانها الأبيض وتتألّق إلى جانب عريسها، إلا أنها توّجت عروساً في السماء يوم 4 أغسطس/آب 2020 تاركةً وراءها أماً ثكلى لا يفارقها البكاء منذ رحيلها.

سحر فارس
سحر فارس

عندما سألناها عن سحر وكيف مرّ هذا العام من دونها، تجهش والدتها نبيهة نصر بالبكاء وتقول لـ"العربية.نت": "فتّحت عيوني على سحر. ابنتي البِكر وزهرة البيت. كانت سندي وشقيقتي وصديقتي. الموت خطفها منّا بسرعة".

وتُضيف: "لا تمرّ لحظة إلا وأتذكرها. برائحة القهوة وسيارتها المركونة أمام المنزل والأوراق الخاصة بسنوات دراستها في الجامعة".

تطوّعت سحر ابنة الـ22 عاماً في فوج إطفاء بيروت لتكون من الصبايا القلائل اللواتي يخدمن بلدهن في هذا الميدان. كان حلمها منذ صغرها ارتداء البذّة العسكرية. درست مهنة التمريض وتنقّلت بين مستشفيات عديدة في لبنان قبل أن تستقرّ منذ ثلاث سنوات في فوج إطفاء بيروت كمُسعفة وتُحقق حلمها بالدخول في السلك العسكري.

"إيماني كبير بأن العدالة ستتحقق" تقول الوالدة المفجوعة، مضيفةً: "سحر وزملاؤها توفوا أثناء تأديتهم لواجبهم الوطني. سأناضل حتى النهاية من أجل عدالة ليوم 4 أغسطس/آب".

وتختم: "ما نفع التعويضات والترقيات بعدما خسرت سحر. حياتنا تدمّرت ولم يعد للفرح مكاناً بيننا.. ربّيت بناتي الثلاث بدموع العين ليأتي يوم ولا أجد سحر بينهن؟؟؟ لماذا؟ الحزن على فراقها يكبر يوماً بعد يوم".

"جو الحنون راح"

وكما سحر فارس انضمّ جو نون، رفيقها في فوج الإطفاء، إلى قافلة ضحايا انفجار مرفأ بيروت بعدما انطلق في مهمّته الأخيرة إلى عنبر الموت الذي خُزّنت فيه نيترات الأمونيوم.

جو نون
جو نون

وبغصّة تقول والدته زينة لـ"العربية.نت": "كان عاماً أشبه بالجحيم. الله لا يسامحهم شو عملوا فينا. والأبشع من كل ذلك أنهم لا يشعرون بحدّ أدنى من المسؤولية تجاه ما حلّ بلبنان يوم الرابع من أغسطس/آب الماضي. يتقاذفون المسؤوليات ويتكلّمون وكأنهم قديسون".

وتروي كيف أن دجو كان شخصاً خدوماً في عائلته ومحبوباً في بلدته مشمش في جبل لبنان: "كان ناشطاً جداً. أسّس شبيبة مشمش وكان يخدم في الكنيسة ويساعد في البلدية".

وبغصّة تُضيف: "اشتقت للصبحية معو ونشرب قهوة سوا واشتقت لريحتو". وبحزم تختم والدة دجو: "سنواصل الضغط حتى تحقيق العدالة على رغم أن لا أمل بذلك".