.
.
.
.

حرية التجارة في صلب الانتخابات الأميركية

عامر ذياب التميمي

نشر في: آخر تحديث:

في خضم الحملات الانتخابية في الولايات المتحدة، يندر أن تجد مرشحاً في سباق الرئاسة مؤيداً للتجارة الحرة المتوافق عليها بموجب اتفاقات «غات» أو مبادئ منظمة التجارة الدولية. ويسعى هؤلاء المرشحون إلى كسب فئات عمالية تعتقد أنها تضررت من الانفتاح الناتج عن تلك الاتفاقات أو الاتفاقات التي وقعتها الإدارات الأميركية المتعاقبة مع دول عديدة، مثل اتفاق «نافتا» مع المكسيك وكندا، الذي ساهم في تحسين معدل النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة بنسبة 0.5 في المئة سنوياً وعزز حرية التجارة بين البلدان المنضوية وكفاءة العمل الإنتاجي وأوقف دعم الصناعات غير المجدية.

تقدم العالم كثيراً منذ أربعينات القرن الماضي باتجاه تحرير أنظمة التجارة والاستثمار بعد التوصل إلى اتفاق «غات». يهدف الاتفاق، واسمه الرسمي «الاتفاق العام للرسوم الجمركية والتجارة»، إلى تنظيم التجارة العالمية وخفض الرسوم الجمركية والميزات التي تمنح للمنتجات المحلية من خلال الرسوم، وكذلك إزالة كل الحواجز التي تعطل تدفق السلع والبضائع. ووقعت الاتفاق 23 دولة في 30 تشرين الأول (أكتوبر) 1974 وأصبح نافذاً في بداية كانون الثاني (يناير) 1948. لكن هذا الاتفاق أصبح ذا أهمية تذكر بعدما وقعته 123 دولة عضو في الأمم المتحدة في مراكش في نيسان (أبريل) 1994 ثم أصبح نافذ المفعول في مطلع كانون الثاني 1995، حين جرى تأسيس منظمة التجارة الدولية.

ومن أهم أهداف الاتفاق التحرير الشامل والكامل للتجارة الدولية ومنع الميزات وتأمين الحماية لمنتجات محلية على حساب منتجات مستوردة من الخارج. ولا تزال مشاكل تواجه التطبيق المتكامل للاتفاق على رغم عضوية معظم دول العالم في منظمة التجارة. من أهم المشاكل ما يتعلق بالمنتجات الزراعية والدعم الذي تقدمه بلدان كثيرة، مثل بلدان الاتحاد الأوروبي، إلى المزارعين لتمكينهم من تحقيق عائدات من تلك المنتجات.

لكن لماذا نجد معارضة شديدة من قبل السياسيين، خصوصاً خلال الحملات الانتخابية، ضد التجارة الحرة؟ من المستغرب أن تبرز مثل هذه المعارضات بعد عقود من العمل على فتح الأسواق وتعزيز التجارة الحرة، الذي اضطلع به الرؤساء الأميركيون من الحزب الجمهوري أو الحزب الديموقراطي. فتصاعد المعارضات لفلسفة التجارة الحرة في الولايات المتحدة قد يعطل إمكان إنجاز اتفاق التجارة الحرة لمنطقة المحيط الهادئ الذي قد يعزز حرية التجارة بين الولايات المتحدة والصين وبلدان جنوب شرقي آسيا. ويرى السياسيون، خصوصاً من الحزب الديموقراطي، أن اتفاقات التجارة الحرة التي اعتمدتها الولايات المتحدة خلال السنوات الماضية، أدت إلى فقدان كثر من الأميركيين وظائفهم، خصوصاً في مناطق الوسط الغربي، مثل ولايات ميتشيغان وأوهايو وميزوري. وتعاني الصناعات في هذه الولايات تكاليف إنتاج عالية، ولا تستطيع في ظل مبادئ التجارة الحرة أن تنافس المنتجات والسلع المستوردة من الخارج.

من أهم أهداف التجارة الحرة الارتقاء بالكفاءة الإنتاجية ووقف دعم الحكومات للأعمال. وفقدت صناعات تحويلية كثيرة في الولايات المتحدة، بما فيها صناعة السيارات، ميزاتها النسبية لصالح صناعات في الخارج. ولم تعد هناك إمكانات للأميركيين للمنافسة في الصناعات الإلكترونية أو الملابس أو الأحذية أو الحديد والصلب. كما أن صناعة السيارات، وإن ما زالت تتمتع بسوق جيدة داخل الولايات المتحدة وتمكنت من تطوير كفاءة المنتجات، تواجه منافسة من العديد من الشركات اليابانية والكورية الجنوبية. وأقامت شركات يابانية وكورية جنوبية مصانع للسيارات في ولايات أميركية وتمكنت من السيطرة على التكاليف في شكل مناسب. وتقدر تكاليف العامل في صناعة السيارات بين 40 إلى 65 دولاراً في الساعة.

هذه التكاليف أعلى بكثير من تكاليف العمالة في بلدان أخرى. ويمكن أن تطبق شروط عمل أفضل في الصين وغيرها من أجل تحسين حقوق العاملين، بما قد يؤدي إلى رفع التكاليف. هل سيؤدي ذلك إلى تحسين فرص المنافسة للصناعات الأميركية؟ ربما في صناعات محدودة. بيد أن المعارضة للتجارة الحرة لا تتوافق مع متطلبات العولمة والارتقاء بالعلاقات الاقتصادية بين بلدان العالم وتوظيف الأموال وفق معايير الجدوى الاقتصادية.

هناك أهمية لدفع السياسيين في الولايات المتحدة للاقتداء بالتراث الأميركي الذي مكن من التوصل إلى اتفاق «غات» وتأسيس منظمة التجارة واعتماد العديد من اتفاقات التجارة الحرة مع العديد من الدول. أما اعتماد النهج الشعبوي لكسب أصوات الناخبين المتذمرين، فلن يكون مفيداً للاقتصاد الأميركي الذي يتطلب معالجات في قطاع الصناعات التحويلية وأصبح في السنوات الماضية يعتمد على الخدمات وتطوير التقنيات الحديثة، ولذلك فإن الانتعاش الراهن هناك يعتمد على التوسع في قطاعات خدمية عديدة، وهي التي تخلق الوظائف الجديدة في سوق العمل.

ومن الميزات الأساسية في الولايات المتحدة ذلك النظام التعليمي المتطور باستمرار الذي يجذب من مختلف بلدان العالم طلبة يمكن أن يحسنوا من اقتصادات بلدانهم الأصلية بعد عودتهم من الدراسة. وتجذب الولايات المتحدة سنوياً آلاف العلماء والمختصين الذين يمكن أن يساهموا في تحسين أداء الاقتصاد الأميركي.

*نقلا عن صحيفة "الحياة" اللندنية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.