.
.
.
.

كيف يفهم جيل فيسبوك الأميركي أحداث 11 سبتمبر؟

نشر في: آخر تحديث:

عن علاقة الجيل الأميركي الجديد بمفاهيم التطرف المنسوب للإسلام والعنف بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، التي مر عليها 18 عاما، كتب دانيال بيمن في دورية "فورين بوليسي Foreign Policy" مقالا قدم فيه صورة من وحي تجربته داخل الصفوف المدرسية.

يقول إن الأطفال الأميركيين الذين ولدوا بعد تلك الأحداث يشهدون بلادهم تخوض حرباً أبدية تعرف باسم الحرب على الإرهاب. لكن هجمات سبتمبر وما تلاها مباشرة من فترة سيئة ترجع إلى زمن ما قبل تطبيقات تويتر وإنستغرام وفيسبوك.

من خلال عملي كأستاذ بجامعة جورج تاون يقوم بتدريس مقررات حول الإرهاب ومكافحة الإرهاب، يذكرني كل يوم أقضيه بالتحولات التي رافقت أحداث سبتمبر، وكيف تحولت من تجربة عشناها إلى مجرد سيرة تاريخ. طلابي معرفتهم عن تنظيم "القاعدة" متأثرة بظهور "داعش"، التي جذبت انتباه العالم في عام 2014 من خلال عمليات قطع الرؤوس، والتقدم العسكري السريع في العراق، وإعلان الخلافة – في فترة كانت أعمار الطلاب المستجدين في جامعاتنا اليوم حينها لا تتجاوز الثالثة عشرة عاما. بالرغم من الآنية السريعة المفاجئة لظهور الإرهاب ودوره وتأثيره على التصورات لدى العامة، إلا أن فهم الطلاب له في كثير من الأحيان هو فهم غير مكتمل، خصوصا فيما يتعلق بالخطر ذاته أو في سبب رد الولايات المتحدة.

تعتبر هجمات الحادي عشر من سبتمبر حالة شاذة، إذ إن مجموع من قتل في ذلك اليوم فقط يزيد عن عشرة أضعاف عدد القتلى في أي هجوم إرهابي آخر سابق أو لاحق في الولايات المتحدة.

في السنوات الأولى التي أعقبت أحداث سبتمبر، كنت وطلابي نخشى من أن الإرهاب سوف يزداد خطورة، إذ إن الأوراق البحثية الخاصة بالطلاب في تلك الفترة كانت تتناول سيناريوهات شنيعة، على غرار احتمالية تفشي فيروس الجدري واحتمالية وجود جيوش صغيرة من القناصة الجهاديين وغيرها من الكوابيس الأخرى المخيفة.

ومع ذلك، فإن التنبؤات الأكثر واقعية بأن أحداث الحادي عشر من سبتمبر قد يتم تصعيدها إلى أبعد من ذلك، سواء أكانت من خلال هجمات أكبر أو هجمات كيمياوية وبيولوجية وإشعاعية – لم تتحقق. لقد كان الهجوم الإرهابي الأسوأ على أراضي الولايات المتحدة منذ أحداث سبتمبر، هو هجوم على ملهى ليلي في أورلاندو بولاية فلوريدا، والذي أعلن فيه عمر أنه قد نفذه باسم "تنظيم الدولة" أو "داعش". إلا أن ذلك الهجوم في الحقيقة كما اتضح لم تكن له صلة مباشرة بالتنظيم وبدا كأنه أقرب إلى عمليات إطلاق النار الجماعية العديدة التي باتت تعكس السجل المؤسف للولايات المتحدة في قضايا العنف المشتملة على السلاح أكثر منه إلى هجمات مشابهة لأحداث سبتمبر.

لقد مثلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر حالة شاذة وصارخة من حيث مستوى وحجم التأثير، بالإضافة إلى طبيعتها القاتلة. كان محمد عطا، صاحب المظهر الهادئ والحازم قائد المختطفين التسعة عشر في هجمات سبتمبر، قد غادر ألمانيا في البداية لأنه أراد أن يقاتل الروس في الشيشان، لكن تم تجنيده ضمن منفذي هجمات سبتمبر خلال الفترة التي كان يتلقى فيها التدريبات في أفغانستان.

لقد عمل عطا مع كبار قادة تنظيم القاعدة الذين استغلوا شبكة عالمية فعلية تمتد عبر أفغانستان وأوروبا وماليزيا ودول الخليج، وصولا إلى الولايات المتحدة، بهدف شن الهجمات.

يميل الطلاب إلى تصوير محمد عطا وشبكة التدريب والخدمات اللوجستية العالمية التي أنشأها إلى أن هذا هو الأمر الطبيعي، لكن الأمر ليس كذلك، إذ إن عطا كان شخصا استثنائيا.

في الحقيقة، نقضي الكثير من الوقت داخل الصف في شرح الأسباب التي تجعل الإرهابيين دائما عرضة للفشل، خاصة إذا ما كانوا يحاولون القيام بمثل هذه المؤامرات الضخمة. ليس هنالك سوى القليل من الإرهابيين الذين يمكن أن نقول عنهم إنهم متمرسون وذو مهارات عالية، لكن السواد الأعظم – خاصة بين أولئك الذين يقومون بتنفيذ العمليات على الأراضي الأميركية – غير متدربين، ونادرا ما يكونون قادرين على صنع قنبلة ناهيك عن تنظيم هجمات إرهابية منسقة ومعقدة تتسبب في إزهاق الكثير من الأرواح. والإرهابيون عادة بدلا من التكتم على خططهم، يقومون بالتحدث عنها على وسائل التواصل الاجتماعي، وسرعان ما يتم القبض عليهم من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالية. أحدهم كان يتفاخر بوشم علم "تنظيم الدولة" الإسلامية المرسوم على ظهره. وأحد المقاتلين في تنظيم "داعش" في سوريا قام بتفجير نفسه بواسطة القنبلة التي زرعها في طائرة مسيرة، وقد انفجرت القنبلة فيه عندما كان يحاول إعادة الطائرة باتجاهه لاستبدال البطارية.

أما أمثال محمد عطا الذين يسافرون من أجل الانضمام لتنظيمات مثل "القاعدة" أو "داعش"، عادة ينتهي بهم المطاف إلى مقاتلين في الحروب الأهلية المحلية بدلا من قضاء أوقاتهم في التخطيط لتنفيذ هجمات على الولايات المتحدة، وأولئك الذين اتجهوا إلى الإرهاب الدولي عادة ما يكونون عرضة لإلقاء القبض عليهم وإحباط أهدافهم.

إن النظر بشكل متساوٍ بين فريق تنظيم "القاعدة" في هجمات الحادي عشر من سبتمبر و"داعش" اليوم من منظور واحد نوع من سوء الفهم، فالهدف الأسمى لـ"داعش" هو تأسيس وتوسيع نفوذ دولتها، وكان معظم الذين ذهبوا إلى سوريا من الغرب (وقد قتل العديد منهم) شاركوا بالقتال هناك، بدلا من التدرب على تنفيذ هجمات إرهابية في العالم الغربي. صحيح أن هنالك بعضا من مؤيدي تنظيم داعش قاموا بالتخطيط وتنفيذ الهجمات في الولايات المتحدة وأوروبا، لكن النجاح كان محدوداً.

لقد قامت الولايات المتحدة والعديد من الدول الأخرى بتطوير أدوات أمنية ضخمة للتعرف على المجندين المحتملين قبل مغادرتهم ومراقبة من يغادرون ومنعهم من السفر. وفي بعض الحالات تقوم تلك الحكومات بقتل مثل أولئك الأشخاص في ميادين الحرب. على سبيل المثال، قامت فرنسا بالعمل مع القوات العراقية لمطاردة المواطنين الفرنسيين الذين انضموا إلى الجماعات الجهادية هناك.

لقد تمكن الإرهابيون الذين ذهبوا إلى أفغانستان قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر بهدف التدريب من التواري عن الأنظار، لكن الحكومات الآن باتت قادرة على تقفي أثرهم واعتقالهم عند عودتهم إلى بلدانهم أو إجبارهم على العودة ومواجهة العدالة. مجموعة سورية كردية قامت بتسليم رسلان ماراتوفيتش أسينوف الذي يحمل الجنسية الأميركية للقوات الأميركية، والذي ُيزعم أنه سبق أن خدم كقناص لـ"داعش". وبدورها قامت القوات الأميركية باستعادته للبلاد للمحاكمة. ونتيجة لهذه التطورات والتغيرات، لن يكون من السهل اليوم التغلغل داخل الأراضي الأميركية مثلما فعل منفذو أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

لقد كان الرد على أحداث الحادي عشر من سبتمبر كبيراً. فالولايات المتحدة سارعت لخوض حرب في أفغانستان، وقد أثرت تلك الهجمات على قرار الحكومة الأميركية لغزو العراق في عام 2003. من الصعب أن نشرح علاقة حرب أفغانستان وغزو العراق، الذي كانت أسبابه مرتبطة بشكل كبير بفترة التوجس المخيفة خلال العامين اللذين أعقبا أحداث الحادي عشر من سبتمبر أكثر من كونه مرتبطا بعلاقة تنظيم "القاعدة" مع العراق، لكن المسؤولين في إدارة الرئيس جورج دبليو بوش آنذاك تمكنوا من إيجاد المبررات لقرع طبول الحرب.

لقد ساهمت هجمات الحادي عشر من سبتمبر كذلك في تعزيز الشعور بالهدف والوحدة في الولايات المتحدة، الشعور الذي يبدو أنه كان قد تبدد منذ زمن طويل. فلقد أجمع الديمقراطيون والجمهوريون على حد سواء يطالبون بشدة من الحكومة الأميركية باتخاذ موقف صارم من الإرهاب، كما حرص قادة كلا الحزبين على تفادي تحويل الأقليات إلى أكباش فداء. بوش، بلا شك، أعطى إشارة واضحة بزيارته لأحد المساجد سريعاً بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أكد من خلالها على وجهة نظره بأن مجموعة من المتعصبين، وليس المسلمين كمجتمع، هم المسؤولون عن الإرهاب. إن المآسي قد تثمر نتائج عكسية على الإرهابيين لأنها تشجيع (الشعب) على الوحدة وتقوي السلطة. وقد ينجح الإرهاب في أن يتسبب في الانقسامات.

فخلال فترة ولاية الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب، سيجد الطلاب صعوبة في استيعاب قدرة الهجمات الإرهابية على توحيد الناس خصوصا بعد قيام ترمب باستخدام هجوم أورلاندو كذريعة لإطلاق "نظام الهجرة التمييزي". كما ساهمت الهجمات الإرهابية اليمينية وتجمعات المؤمنين بتفوق العرق الأبيض خلال فترة ولايته إلى دفعه للحديث عن حقوق اقتناء السلاح و"الأشخاص الطيبين" المشاركين في تلك التجمعات المتطرفة بدلا من لمّ شمل الأميركيين نحو هدف واحد. إن طلاب اليوم يفتقرون لفهم المنظور التاريخي للقضية. ففي أواخر الستينات وأوائل السبعينات من القرن العشرين، كانت هنالك عمليات اختطاف طائرات بمعدل حالة اختطاف واحدة أو أكثر في الأسبوع على مستوى العالم، وشهد هذان العقدان مئات التفجيرات في الولايات المتحدة من قبل مجموعات مثل "كو كلوكس كلان" وغيرها. ولكن عدد الحوادث الإرهابية على الأراضي الأميركية وضحاياها قد أصبح أقل في فترة ما بعد 11 سبتمبر مقارنة بالسنوات السابقة.

وبسبب أحداث الحادي عشر من سبتمبر أصبحت هي بمثابة المعرف لمعنى الإرهاب، فإن أي عملية تفجير أو حالة إطلاق نار، خاصة إذا قام بها مسلم باسم "الجهاد،" سيكون وقعها على الأنفس أكبر بكثير. إنه يصعب على الطلاب المقارنة بما كان يحدث خلال السبعينات.

وعلى الرغم من أن معظم الطلاب سيكرهون الاعتراف بذلك، الحقيقة أنهم غالبا ما يتفقون مع ترمب حول بعض افتراضاته لكيفية الرد على التهديدات الإرهابية استنادا إلى ما سمعته في مناقشات الفصل الدراسي. كما أنهم متشككون من جدوى التدخل الأميركي في الشرق الأوسط على نطاق واسع. لكنهم، يقبلون مبدأ خوض الحروب المصغرة وتنفيذ الضربات الجوية ونشر قوات العمليات الخاصة في معظم مناطق العالم الإسلامي بشكل شبه دائم. كما أن الطلاب مرتاحون لفكرة العمل مع الأنظمة في الشرق الأوسط، ويرون في ذلك ضريبة لابد منها للتعاون في مجال مكافحة الإرهاب. ولعل الأهم من ذلك هو أنهم غالبا ما يرون أن كل ظهور لجماعة متطرفة يشكل تهديدا محتملا على الولايات المتحدة، وبالتالي فإن الهجمات المرتبطة بـ"داعش" في جمهورية الكونغو الديمقراطية وسريلانكا تعتبر بالنسبة لهم دليلا على استمرار الخطر الذي يهدد الولايات المتحدة.

لقد أصبحت أحداث الحادي عشر من سبتمبر شيئاً من الذاكرة، ومن دون التعلم من دروسها ستغدو هذه الذاكرة مجرد صورة كاريكاتيرية لا أكثر. إن الأميركيين الذين لا يحالفهم الحظ بالدراسة في الجامعات النخبوية قد يكونون ضحية المفاهيم الغامضة التي تُستخدم لتبرير الإنفاق الحكومي غير الضروري أو السياسة المفضلة للإدارة، والتي لا تعترف بحقيقة تغير المخاطر التي تواجه البلاد منذ عام 2001. إن الاستفادة من جميع الحقائق الدقيقة المحيطة بأحداث الحادي عشر من سبتمبر تعد أمرا حيويا، وعلينا أن ندرك أن الإرهاب يتطور باستمرار، وقد يأتي بضربته القادمة من حيث لا نتوقع.