.
.
.
.

الذين يخذلون الثورة

سليمان جودة

نشر في: آخر تحديث:
متى يمكن القول إن الثورة قد نجحت؟!.. قد نقول هذا حين ننظر كخطوة أولى، إلى مجىء الدكتور مرسى إلى الحكم، إذ بصرف النظر عن رأيك فيه كرئيس، وبصرف النظر عن اتفاقك مع ما يفعله منذ مجيئه أو اختلافك، فإن نجاحنا كشعب، بعد الثورة، فى الإتيان برئيس منتخب، إنما يمثل فى حد ذاته خطوة من خطوات النجاح لها كثورة، لأن مجرد عبور هذه الخطوة بالشكل الذى جرى معناه أننا، كناخبين، قادرون فى أول انتخابات مقبلة على أن نستبقى الرئيس مرسى إذا كان تقديرنا أنه نجح، أو أن نأتى بغيره إذا كان التقدير هو العكس!.. هذه واحدة!

والثانية، أن بقاء النائب العام فى منصبه، بعد الأزمة الشهيرة، يمثل هو الآخر، بالضرورة، نجاحاً مضافاً للثورة، ولابد أن الأمر لا يتعلق هنا بشخص المستشار الدكتور عبدالمجيد محمود، كنائب عام، لأن النجاح ذاته كان سوف يحسب للثورة لو أن شخصاً آخر، بخلاف الدكتور عبدالمجيد، كان فى المنصب، ثم جرى ما جرى، وبالتالى فنحن أمام سلطة قضائية أثبتت من خلال هذه الموقعة، أنها ليست فقط سلطة مستقلة، ولكنها، وهذا هو الأهم، أثبتت أنها متمسكة باستقلالها، ومستعدة للجهاد من أجله، مهما كان الثمن.. وهذه واحدة أخرى!

يبقى بعد ذلك أن نواصل الطريق، وأن نكلل هذين النجاحين، بنجاحات أخرى حتى تكتمل الصورة، وإذا شئنا الدقة قلنا إن علينا أن نكلل النجاحين بنجاحين اثنين آخرين، هما الآن قيد الاكتمال، وسوف يكون الرهان عليهما رهاناً على نجاح الثورة فعلاً، أو انتكاسها لا قدر الله!

أما الأول، فهو أن يأتى الدستور الجديد معبراً بالفعل عن آمال المصريين فى مستقبل أفضل مما هم فيه، وحقيقة الأمر أن اللجنة التى تضع هذا الدستور فيها رجال قادرون على أن يجعلوا الدستور يخرج بهذه الصورة التى نرجوها، ونأمل فيها، ولذلك فإننا كمصريين، فى عمومنا، نستطيع أن نراهن ونحن مطمئنون على هذا النجاح الثالث، وعلى أن وراءه رجالاً فى اللجنة لن يرضيهم أن يصاغ دستور لا يليق بوزن مصر كبلد له تاريخ عظيم، ويتعين أن يكون مستقبله كما كان تاريخه، لا كما يقول حاضره، إذ الحاضر لا يسر كثيراً!

فإذا انتقلنا إلى النجاح الرابع الذى نتطلع إليه، ونراهن عليه بالقوة نفسها، قلنا، دون مبالغة، إنه الأصعب، لا لشىء إلا لأنه لن يتحقق إلا إذا جاء البرلمان القادم متوازناً، بحيث تكون للمدنيين فيه أغلبية محترمة، وساعتها سوف يكون البرلمان، الذى هو بيت التشريع للناس والرقابة على أعمال الحكومة، قادراً إذا حاز هذه الأغلبية على أن يساهم بشكل حقيقى، فى توازن الأداء السياسى العام فى البلد، فإذا جاءت الأغلبية فيه من الإخوان، ثم كان الرئيس، كما نرى، من الإخوان أيضاً، وجاءت الحكومة بدورها، عندئذ، منهم أيضاً، فسوف نكون أمام أزمة لا يعلم إلا الله وحده كيف يمكن أن نتجاوزها.

إذن يكاد يكون النجاح الأخير، والمكمل لما قبله من نجاحات معلقاً فى رقاب التحالفات المدنية القائمة فى الوقت الراهن، وإذا حدث خذلان للثورة، فلن يكون، والحال كذلك، إلا من المدنيين، ولن يكون مرجعه إلا إلى عجزهم عن التوافق، ثم الوقوف صفاً واحداً، لا صفين ولا ثلاثة، فى انتخابات البرلمان المقبل، وليتفرقوا بعد ذلك ما شاء لهم التفرق.. أما الآن، وإلى أن تجرى هذه الانتخابات، فإنهم لا يملكون هذا الترف.. ترف التفرق.. ولا يملكون ترف أن «تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى» كما يقول القرآن الكريم.. فيا أيها المدنيون كونوا على وعى كامل بأن خذلان الثورة لن يكون إلا إذا عجزت هى عن عبور محطة الانتخابات بهذه الصورة التى نشير إليها، فاتحدوا هذه المرة، ولا تفرطوا فى هذا التوحد، مهما كان، لأن البديل الوحيد هو عودة الثورة، حينئذ، إلى المربع صفر!

*نقلاً عن "المصري اليوم"
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.