.
.
.
.

ثورات الربيع المظلومة

عطية عيسوي

نشر في: آخر تحديث:
الثورة ليست ثوبا جديدا بمجرد ارتدائه تصبح الحياة وردية هانئة لاينقصها نقص في الغذاء أو الخدمات ولا زيادة في الجرائم والسرقات أو انفلات في مفهوم ممارسة الحريات‏,‏ بل الثورة إجراء عنيف يحدث ليس داخل دورق زجاجي يمكن التحكم فيما يقع داخله

وإنما في فضاء يعاد تشكيل قواعده ومكوناته فتنهدم جدران وسقوف كانت تتحكم في سلوك الناس ليندفعوا للتنفيس عن بخار مكتوم بكل وسيلة ممكنة مشروعة وغير مشروعة.

ولأننا اعتدنا علي الا نري سوي الأبيض أو الأسود من الألوان فنهلل لما نراه انجازا مثلما نبالغ فيما نعتبره اخفاقا فقد اعتبر كثيرون منا أن ثورات الربيع العربي في تونس ومصر واليمن وليبيا لم تغير شيئا, وأن الاحوال ترددت أكثر بل إن بعضنا تمني لو عادت أيام مبارك وبن علي والقذافي وصالح لم ير هؤلاء سوي الفوضي التي ترتبت علي سقوط تلك الأنظمة وعدم تحسن الاحوال المعيشية وزيادة أعمال الجريمة والسرقة والعنف والعنف المضاد والخطف وتصفية الحسابات, بل والتعذيب وانتهاك حقوق الإنسان.

ففي ليبيا قالوا إن الثورة لم تفعل سوي استبدال نشيد بنشيد وعلم بعلم وحكام بحكام, ولم تختلف النظرة في مصر أو تونس أو اليمن كثيرا, فالحكم علي النجاح أو الفشل يتم من منظور ضيق يهتم به صاحبه وليس بنظرة شاملة للأوضاع ترصد ما تحقق من ايجابيات, وما حدث من سلبيات بموضوعية وإنصاف.

ومع التحفظ علي ما قاله هؤلاء عن استمرار التعذيب وانتهاك حقوق الإنسان بنفس القدر الذي شهدته أيام مبارك وبن علي والقذافي وصالح يمكن القول بشكل قاطع أنهم يتناسون أهم انجاز وهو سقوط أنظمة حكم ديكتاتورية جثمت علي أنفسنا عقودا وأصبح من حق كل إنسان ان ينتقد بأعلي صوته ارفع مسئول دون ان يتم الزج به في غيابات الجب ويستطيع الادلاء بصوته بحرية كاملة دون وصاية.. في مصر تم وضع اقطاب نظام مبارك, وهو في مقدمتهم, الزنازين يود أحدهم لو يستطيع أن يفتدي نفسه بكل ما جمعه من حلال ومن حرام.. في ليبيا قتل القذافي وبعض أبنائه واقطاب نظامه في مشاهد مذلة وتم اعتقال آخرين ينتظرون مصيرهم المظلم..

في تونس هرب بن علي كالجرد تاركا وراءه ما جمع واصبح لايستطيع حتي دفع الاتهامات وشبح تسليمه لمحاكمته يكاد لايفارق مخيلته.. وفي اليمن هوي عرش صالح وعادت محتويات عزبته إلي الشعب, ويجري البحث عن منفذ للتحلل من الحصانة التي منحها له اتفاق التخلي عن الحكم لمحاكمته علي جرائمه.. توقفت الآلة الإعلامية الجهنمية التي كانت تسبح بحمد الحاكم وتوقف نزيف نهب الأموال ويجري العمل علي استرجاع ما نهب منها.

وفي مصر يجري التفكير في سن قانون يجعل الهدايا التي يتلقاها المسئولون ملكا للدولة ولمن يريد الاحتفاظ بها أن يدفع ثمنها.

.

ضخامة ما ورثناه عن الانظمة السلطوية من ديكتاتورية وفساد وبيروقراطية تحتاج إلي نفس طويل للإصلاح وإعادة بناء مؤسسات الدولة علي أسس جديدة لابد ان تنتج عنه ثغراث وسلبيات تحتاج إلي علاج.. فقط لنصبر قليلا ولنفهم أن الحرية ليست ان نفعل ما نشاء وقتما نريد, ان نضرب عن العمل أو نقطع الطرق أو نحرق وندمر أو نهدد الآخرين في حياتهم وارزاقهم واعراضهم وممتلكاتهم أو ننهب كل ما تقع عليه العين.. الحرية ان تؤدي ما عليك من واجبات قبل أن تأخذ ما لك من حقوق.. حريتك تنتهي من حيث تبدأ حرية الآخرين.

نقلاً عن صحيفة "الأهرام".
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.