.
.
.
.

الدولة الدينية

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:
انقسم البيت علي حاله وتفرقت الأسرة بين معسكرين‏;‏ ولحسن الحظ أن ما جري كان فيه القليل علي أسس طائفية‏,‏ وكان أغلبه حول الدولة وتكوينها وهويتها‏.‏ هناك مظاهر أخري حول الجمعية التأسيسية‏,‏ والإعلان الدستوري‏,‏ ولكن جوهر المسألة كلها هي الدستور‏.

حيث جري التناقض بين مدرستين: الأولي أن الدولة المصرية قائمة منذ حصل محمد علي فرمان الاستقلال بمصر في أسرته; ومن بعدها توالت الفرمانات ثم الدساتير توجد نظما للحكم تراوحت بين الديمقراطية والاستبداد, ومن ثم آن الأوان بعد ثورة يناير أن تكتمل ديمقراطية الدولة كما يليق بدخول القرن الحادي والعشرين. المدرسة الثانية كانت لها تساؤلاتها وشكوكها منذ انسلاخ مصر عن الدولة العثمانية حتي لو انهارت هذه الأخيرة ضعفا وتفسخا وفسادا. المسألة بالنسبة لها هي أنه علي مصر أن تكون جزءا من مدار آخر للأمة الإسلامية, ومن ثم يترتب عليه تشكيلها ضمن هذا الإطار.

وكما أن لكل الموضوعات أصولا, فقد أصدرت حركة الإخوان المسلمين برنامجا سياسيا تمهيدا لتحولها, أو بعض منها لا ندري, في عام2007 إلي حزب. كنت واحدا من50 أرسلت لهم الحركة البرنامج لكي يقوموا بتقييمه وإبداء الملاحظات عليه, وهو ما فعلته في سلسلة من المقالات نشرت في تلك الأيام. كانت أغلب التقييمات تقول إن الوثيقة تدعو إلي دولة دينية خاصة وقد جعلت فوق المجلس التشريعي مجلسا آخر من رجال الدين لمراجعة التشريعات والقوانين. هي ولاية الفقهاء إذن بدلا من ولاية الفقيه; أو هكذا كتبت, وكتب آخرون, وانتهي الأمر بسحب الوثيقة من السوق السياسية. قال لنا أصدقاؤنا من الإخوان أيامها إن الوثيقة كتبت من وراء ظهورهم ولم يكن لهم رأي فيها, وكتب كاتب إسلامي مرموق أنه لم تكن هناك حاجة للوثيقة أصلا. ولكن الواقعة فتحت الباب لمناقشات معمقة في كل الموضوعات كان واحدا منها دعوتي من اتحاد الأطباء العرب لكي ألقي محاضرة عن عملية السلام مع إسرائيل. وكان الرأي السائد الذي سمعته واضحا وجليا في تلك الأيام من قادة الإخوان هي أنهم يريدون نفس الدولة المدنية التي نريدها, ولكن لا بد وأن يكون لها مرجعية إسلامية, وهذه المرجعية موجودة في المادة الثانية من الدستور. ولا أزال أذكر أن عضوا مرموقا في الجماعة أسر لي أن الرئيس السادات أعطي للإخوان هدية لم يطالبوا بها عندما جعل في تعديلات1980 الدستورية مبادئ الشريعة ليست فقط مصدرا للتشريع ولكنها المصدر. هذه النوعيات من الحوارات فتحت الباب لأرضية مشتركة.

نقلاً عن صحيفة "الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.