.
.
.
.

مصر.. منعطف التعلم الصعب

أمير طاهري

نشر في: آخر تحديث:

لا تزال الثورة المصرية، التي تدخل عامها الثاني بعدما أطاحت بالرئيس السابق حسني مبارك، تحاول أن تجد تعريفا لنفسها، فهل تحولت إلى ثورة كاملة بكل المخاطر التي تنطوي عليها، أم ستكون مجرد فترة فاصلة بين نظامين عسكريين؟

ومن خلال الحكم على الأحداث التي شهدتها البلاد الأسبوع الماضي، يبدو أن مصر تستعد لقفزة ثورية نحو المجهول، حيث أظهرت اللقطات التلفزيونية شبابا ملثمين وهم يقاتلون قوات الأمن في الشوارع، مع وجود سيارات محترقة في الخلفية، ومشاهد تشبه حرب العصابات في المدن، كما ظهرت جماعات الكتلة السوداء أو «بلاك بلوك» في الصورة، بشكل يذكرنا بالعنف الفوضوي الذي اجتاح أوروبا في الستينات من القرن الماضي.

ومع ذلك، يبدو هناك احتمال كبير للخيار الثاني، أي وجود نظام جديد يهيمن عليه العسكر، إذا ما وضعنا في الاعتبار تصريحات وزير الدفاع المصري عبد الفتاح السيسي على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك»، حيث حذر قائلا «استمرار صراع مختلف القوى السياسية واختلافها حول إدارة شؤون البلاد قد يؤدي لانهيار الدولة ويهدد مستقبل الأجيال القادمة».

وأعتقد أن هناك خيارا ثالثا قد يكون أكثر احتمالا، وأتمنى أن يحدث، وهو ألا تتجه مصر نحو ثورة جديدة ولا ديكتاتورية عسكرية. في الحقيقة، لا يملك المشاغبون، بما في ذلك الكتلة السوداء، أي شيء إيجابي يقدمونه للشعب المصري. أما بالنسبة للعسكريين فسيكون من الأفضل لهم أن يجدوا موضوعات أخرى يتطرقون إليها على «فيس بوك».

ومن الصعوبة بمكان تحقيق الخيار الثالث، وهو بناء مؤسسات دولة تتميز بالتعددية. ويتطلب هذا صبرا وحنكة من جانب كل من الرئيس محمد مرسي وخصومه الذين يبالغون في النظر إلى المستقبل.

ولا يتعين على مرسي أن ينسى مطلقا أنه رئيس لكل المصريين، كما يتعين عليه أن يتحمل حتى هؤلاء الذين يتحدونه من خلال الشغب في الشارع. وخلال الأسبوع الماضي أو نحو ذلك، بالغ مرسي في رد فعله، وسار على نهج النظام القديم من خلال إصدار أوامر بنزول الجيش إلى الشارع، كما ارتكب خطأ آخر عندما فرض حظر التجوال طوال الليل، ليس فقط لأنه ذكر الناس بالأيام السيئة للنظام القديم، ولكن لأنه كشف عصبية الحكومة.

وفي مواجهة المعارضين الذين يريدون استفزازه، فإن أفضل رهان لمرسي هو ألا يُستفز. وعلى الرغم من ذلك، وقع مرسي في شرك الطرف الذي يريد استفزازه، والذي ينقسم إلى معسكرين، أولهما يريد أن ينزل بسياسات الدولة إلى الشارع ويستفز جماعة الإخوان المسلمين للدخول في حرب شوارع، ومن هنا يجد المبرر لمطالبة الجيش بـ«إنقاذ البلاد من الإبادة»، تماما كما تمت الإشارة إلى ذلك على صفحة السيسي على موقع «فيس بوك». ويأمل المعسكر الثاني أن يحول «الشارع» إلى قوة مضادة للرئاسة التي تلقى دعما من الشبكات السرية الغامضة التابعة لـ«الإخوان المسلمين».

وفي كلتا الحالتين، لن تجلب سياسات الاستفزاز لمصر سوى البؤس. في الحقيقة، تعد الديكتاتورية العسكرية آخر شيء قد تكون مصر بحاجة إليه، علاوة على أن وضع «الشارع» في كرسي القيادة من شأنه أن يمنع مصر من التعامل مع مشكلاتها بطريقة جدية.

وعلى عكس ادعاءات السيسي، لا يمثل الشغب الذي يشهده الشارع المصري تهديدا لبقاء الدولة، ويتعين عليه أن يعرف أن «صراع مختلف القوى السياسية واختلافها حول إدارة شؤون البلاد» هو شيء عادي في المجتمعات المتحضرة.

في الواقع، لا يحتكر مرسي وحكومته الحكمة والوطنية، ويتعين الاعتراض عليهما أينما وكلما كان ذلك ضروريا. ومع ذلك، يتعين على المعارضة أيضا أن تعيد النظر في ما تقوم به.

في الحقيقة، يوجد قدر كبير من الانشقاق في مصر الآن، ولكن لا يوجد سوى قدر ضئيل من المعارضة الحقيقية. وثمة فرق كبير بين الانشقاق والمعارضة، فالانشقاق يعني رفض الخيارات التي تقدمها السلطة من دون إخضاعها للتحليل النقدي وتقديم البدائل، ودائما ما يقول المنشق إنه لا يحب هذا أو ذاك، لكنه لا يستطيع أن يحدد ما يريده بالضبط. وفي ظل سياسات الانشقاق، يتم الحكم على الحكومة المسؤولة عن طريق النوايا، ورفض المسؤول عن إدارة البلاد بسبب ما فعله في الماضي أو ما سيفعله في المستقبل.

أما المعارضة فتختلف عن ذلك تماما، لأنها تكون قادرة على تحديد ما لا تحبه وما تريده. والأهم من ذلك أنها تحكم على المسؤول من خلال أعماله الملموسة وليس نواياه.

وعلى هذا الأساس، ينبغي الحكم على مرسي لا من خلال ما قد يقوم به ولكن من خلال ما قام به وما يقوم به الآن. في جميع الظروف تقريبا تتعلم الحكومات والمعارضة من بعضها البعض، وتعدل استراتيجياتها وفقا لذلك. إن المعارضة التي تدفع السياسة باتجاه العنف لا بد أن تواجه العنف من الدولة في نهاية المطاف. وفي المقابل، فإن الحكومة التي تلجأ للعنف ضد معارضيها تنثر بذور العنف ضد نفسها في النهاية.

إن الحكومة المتبلدة فكريا تولد معارضة متبلدة أيضا، والطيور المتشابهة لا تطير مع بعضها البعض فحسب، لكنها، في السياسة على الأقل، قد تقاتل بعضها البعض أيضا.

إن إطلاق العنان لهراوات الشرطة لكي تقمع المتظاهرين هو علامة على التبلد الفكري من جانب حكومة مرسي، وفي الوقت نفسه فإن إضرام النيران في صناديق القمامة - بالشكل الذي أثار استياء الزبالين في القاهرة - يفضح المنشقين الذين لا يستطيعون تقديم معارضة ذات مصداقية لحكومة مرسي الهشة.

في الواقع، مرسي ومنشقو «الشارع» في قارب واحد، ولو عاد العسكر إلى القصر الرئاسي فقد يتقاسم مرسي والـ«بلاك بلوك» الزنزانة نفسها. وفي المقابل، لو تم تحويل المدن المصرية إلى ساحات لحرب العصابات من جانب المسلحين، فلن يكون هناك أي مكان لمرسي لأنه لا يجيد حرب الشوارع، ولن يكون هناك مكان أيضا للسياسيين الانتهازيين الذين يريدون ركوب موجة غضب «الشارع» للوصول إلى السلطة.

في الواقع، تمر مصر الجديدة بمنعطف تعلم صعب، ويتعين على كل من مرسي ومعارضيه الذين يريدون إرساء الديمقراطية بمصر أن يأخذوا نفسا عميقا. ويتعين على مرسي أن يتعلم كيف يتصرف كرئيس جمهورية وليس رئيس حزب، كما يتعين على خصومه أن يتعلموا أن يتصرفوا كمعارضة حقيقية وليس كمجموعة من المنشقين.

* نقلا عن "الشرق الأوسط" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.