.
.
.
.

ديمقراطية أم خناقة ؟‏!‏

عبد المحسن سلامة

نشر في: آخر تحديث:

فرق ضخم بين الديمقراطية والخناقة‏,‏ فالأولي هي سر التقدم للدول والشعوب‏,‏

ومن خلالها تتوافر كل وسائل التعبير عن الرأي, بدءا بالتظاهر والاعتصام وحتي العصيان المدني, أما الخناقة, فهي سر التخلف للدول والشعوب والأفراد, ومن خلالها تختفي كل وسائل التعبير السلمي عن الرأي, وتظهر ثقافة العنف الجسدي والبدني والإيذاء اللفظي, وتزدهر ثقافة السلاح الأبيض والمولوتوف والبحث عن غنيمة وسط ركام وأطلال الوطن.
كانت الثورات المصرية بدءا من ثورة1919, ومرورا بثورة يوليو عام1952, وانتهاء بثورة25 يناير عام2011, كلها من أنصع الثورات السلمية في التاريخ, ففي ثورة1919, وقف الشعب المصري كله( مسلموه وأقباطه) صفا واحدا في مواجهة الإنجليز, رافضين الظلم والعدوان, والتفوا خلف قائدهم سعد زغلول, حتي تحققت بعض المطالب التي نادت بها الثورة, ليبدأ حزب الوفد بعد ذلك رحلة النضال السلمي, حتي قامت ثورة1952, لتستكمل مسيرة ثورة1919 وتحقق هدفها الرئيسي, وهو إنهاء الاحتلال الإنجليزي إلي غير رجعة, وتأكيدا لسلمية ثورة يوليو,, تم ترحيل الملك دون أدني أذي له, وكان في وداعه البكباشي جمال عبدالناصر, قائد الثورة الفعلي, وأطلقت المدفعية نيرانها إجلالا للملك وقت رحيله, وحينما قامت ثورة الخامس والعشرين من يناير2011, وخلال الفترة من25 يناير حتي تنحي الرئيس السابق مبارك في12 فبراير, كانت الثورة نموذجا في السلمية والاصطفاف الوطني بين أبناء الشعب المصري, بمسلميه وأقباطه وجميع فصائله السياسية, حتي تحقق هدف الثورة الرئيسي بإزاحة الرئيس السابق من سدة الحكم, وإلغاء التوريث الذي كان سبب نكبة النظام السابق, وتولي الجيش الأمور, غير أن سياسة البحث عن الغنائم ظهرت ولم تختف حتي الآن, فأصبح الكل يتربص بالكل, وأصبح المزاج العام يميل إلي الفوضي, مما جعل عدد الذين سقطوا منذ تنحي الرئيس السابق ربما يفوق عدد الذين سقطوا منذ قيام الثورة حتي تنحي الرئيس السابق, والسبب أن سياسة البحث عن الغنائم هي التي باتت تسيطر علي كل الفصائل السياسية, بدءا بالإخوان, ومرورا بالسلفيين, وانتهاء بالليبراليين, فالكل ينظر في المرآة, وحينما لا يجد نفسه تتحول القضية إلي عنف, وصب للزيت علي النيران, ولا يهمه أن تشتعل المركب بمن فيها أو تغرق كلها وهم فيها, وفي تلك الحالة, لن يكون هناك فرق بين مؤيد ومعارض.
ربما تكون حالة التخبط التي كانت تسيطر علي المشهد في أثناء المرحلة الانتقالية هي التي أدت إلي سيادة مناخ العنف وانهيار المؤسسات, وللأسف, فإن سياسة التخبط لاتزال سائدة, والوضع يزداد تأزما وتعقيدا, بعد أن تحولت الديمقراطية إلي خناقة, وأصبحت لغة المولوتوف والسنج والمطاوي والخرطوش هي السائدة, ونتيجة حالة الاستقطاب الحادة, أصبح صوت العقل نشازا, فلابد أن تمسك بالمولوتوف في مواجهة الطرف الآخر, وإلا سوف تطاردك الشائعات والتأويلات في محاولة لوضعك ضمن حساب طرف علي حساب الطرف الآخر.
لابد من حل سياسي قبل أن تتفاقم الأزمة أكثر مما عليه الآن, والاعتراف بوجود أزمة سياسية هو بداية الحل, ولا بديل عن الحوار الجاد بعيدا عن لغة الإقصاء والتهميش والتكويش, مع تأكيد جميع الأطراف أن هناك فرقا بين الديمقراطية والخناقة, فالأولي تنجو بنا جميعا, والثانية سوف يأتي معها الانهيار والكوارث.

*نقلاً عن "الأهرام" المصرية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.