.
.
.
.

خافوا تصحوا‏!

سمير الشحات

نشر في: آخر تحديث:

من الآن فصاعدا‏,‏ علي المصريين ـ وبصفة خاصة أبناء الطبقة المتوسطة منهم

ـ أن يتعايشوا مع الخوف, بل وأن يحبوه إن أمكن!
بات عليك أن تخاف من السير في الطرقات, ليس بالليل فقط, بل بالنهار أيضا, وأن تخشي علي أبنائك, الذكور منهم قبل البنات, وهم في طريقهم إلي المدرسة, أو عائدون منها, بل في داخل الفصول الدراسية نفسها, فلا شيء مضمونا هذه الأيام.


ومن الطبيعي جدا حاليا أن تخاف علي أكل عيشك, فكثير من المصانع والمحال والورش والمشروعات قد أغلق أبوابه, وكثير مثلها في طريقه للإغلاق, مما سيترتب عليه فقدان مئات الآلاف من فرص العمل.


وكما هو معلوم, فإن تداعيات البطالة لا تقتصر فقط علي انخفاض الدخل, وانما الأخطر هو أن جلوس الرجل بالبيت يدمره تدميرا, وخاصة إذا لم يكن قادرا علي إعالة أبنائه وبناته, ويالها من كارثة عندما يصبح المجتمع كل رجاله نصف رجال!


ثم إن هناك الخوف الأكبر, وهو الخوف من المستقبل عموما, أنت في مصر لا تعرف ماذا سيحدث بعد نصف ساعة من الآن, لا علي الصعيد الأمني, ولا الاقتصادي, ولا السياسي, مثلا: هل سيظل باقيا من الاحتياطي النقدي شيء نشتري به غذاءنا أم لا؟ وهل سيظل رجال الشرطة علي غضبهم وامتناعهم عن حمايتنا من البلطجية أم لا؟ وهل ستواصل القيادة السياسية عندنا صبرها, وقلة حيلتها, وهوانها علي الناس, وعدم قدرتها علي إبداع الحلول للمأزق الراهن أم لا؟ وهكذا نغرق يوما بعد يوم في مليون هل دونما إجابات!


إن الخوف كان دائما وسيبقي إحساسا طبيعيا, لكن بشرط ألا يزيد عن حده, وإلا فإنه يتحول الي مرض عضال لا علاج له, ويبدو أننا في مصر أصبحنا قريبين جدا من سكة المرض النفسي هذه.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.


وعملا بالحكمة الموروثة, التي أطلقها عتريس فؤادة, بأن شيئا من الخوف مايضرش!, فلا مانع أبدا من أن نحاول أن نتعايش مع قليل من الخوف, ربما كان في هذا الخوف حياتنا ونجاتنا الي أن يقضي الله أمرا كان مفعولا, فكيف نخاف؟ وهل ثمة خطة للتعاطي مع الخوف, واحتضانه.. بل ومصاحبته؟ نعم هناك خطط, لكنها فقط تستدعي بعضا من الجرأة, وكثيرا من الفطنة.. خذ عندك:


أولا: أن تستعيد ما هو كامن في روحك, ونسيته تحت ضغط الحياة اليومية اللاهث, من أن المكتوب علي الجبين سوف تراه العين, وحبذا لو أنك قلت لنفسك, كل صباح ـ وأنت خارج من البيت: إجري يا ابن آدم جري الوحوش.. فغير رزقك لن تحوش, ويكون من المعقول أيضا أن تكرر في سرك بيت الشعر الفذ: مشيناها خطي كتبت علينا, ومن كتبت عليه خطي مشاها!


ثانيا: أن تبدأ, من اللحظة, تعويد نفسك علي أن احتمال توافر الطعام, بالكثرة التي اعتدتها في الماضي, بات احتمالا ضئيلا, ومن ثم يكون من التعقل البدء في تدريب المعدة علي القليل من الزاد, وسيكون محببا جدا أن تمضغ طعامك جيدا حتي تشبع بسرعة, ومن ثم تكفيك الأرغفة الثلاثة المقررة لك يوميا.


وثالثا: علم نفسك( وأولادك), ركوب الأتوبيسات والميكروباصات والتكاتك إن كنت قد امتنعت منذ سنوات عن استخدامها, بسبب السيارة التي كانت حتي زمن قريب وسيلتك للتنقل, فقريبا ستتركها بجوار البيت تنعي من صنعها.. وكيف تستقلها وليس لك إلا لترات خمسة من البنزين يوميا؟.


ورابعا: أن تبدأ في إقناع نفسك وأبنائك بأن مسألة حرية الرأي والتعبير والتفكير والتنقل, وغيرها من الحريات الأساسية للإنسان, باتت أكاذيب من الماضي, وآن الأوان لتركها, فلا حرية لخائف.


وخامسا: أن تبدأ من اليوم العودة إلي الله عز وجل, وأن تدعو إليه سبحانه في كل لحظة, وأن تدرب لسانك علي ذكره ليل نهار, ألا بذكر الله تطمئن القلوب, إن العودة إلي الله في تلك الأيام العصيبة ستحمينا من أفكارنا السوداء, التي تسرق منا فرحة الحياة.


وسادسا: أن تنسي مسألة أنك سيد في بلدك, فإن سادة البلد الآن هم البلطجية الذين احتلوا شوارعنا وحياتنا وسرقوا منا أعز ما نملك, وهو الأمن, وإن حدث ـ لا قدر الله ـ والتقيت بأحد هؤلاء البلطجية, فافعل كل ما يأمرك به, ولا تناقش, ولا تقاوم, إلي أن تستقر الأوضاع, وتهدأ الأمور, وتعود مصر سيرتها الأولي بلد الأمن والأمان!


ويبقي أن نقول لأنفسنا: هي مرحلة شاقة, ولسوف نعبرها, وإلي أن يتم ذلك, فلا ضرر من أن نتعايش مع الخوف, بل وأن نحبه.. فإن للخوف لحلاوة آن الأوان أن نتذوقها, ألم يقولوا إن الجبن سيد الأخلاق!

*نقلاً عن "الأهرام" المصرية.


تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.