طعن على مصداقية الرئاسة
عندما صدر حكم محكمة القضاء الإدارى بوقف قرار الرئيس محمد مرسى بدعوة الناخبين إلى انتخابات مجلس النواب وفق الجدول الزمنى «المعدل»، قال المتحدث باسم رئاسة الجمهورية إن الرئاسة تحترم أحكام القضاء، وإنها لن تطعن على حكم محكمة القضاء الإدارى.
وقلنا وقتها إن الحكم «هدية» لجميع الأطراف فى معسكر «الموالاة» و«المعارضة» على حد سواء، ويوفر «فرصة» لتخفيف حدة الاحتقان، وربما يوفر أيضا «مخرجا» من الأزمة المستحكمة التى دخلتها البلاد ولا يرى أحدا ضوءا فى نهاية نفقها الحالك الظلمة.
لكن الرئاسة شاءت أن تهدر هذه الفرصة، وأن تضيف فصلا جديدا إلى سلسلة التراجعات الرئاسية، ونقض العهود، والنكوص عن التعهدات، وبالتالى فإن الرئاسة قامت بتعميق فجوة المصداقية التى دأبت على حفر هوتها بدلا من تقليصها.
والبيان الذى أصدرته الرئاسة بهذا الصدد بيان مرتبك ومتناقض، فهو يستنكف الطعن على حكم محكمة القضاء الإدارى فى فقرته الأولى ويعلن عزمه على فعله فى الفقرة التالية!
ويحاول الخروج من مأزق هذا التناقض الفاضح بالزعم أن هدفه ليس الطعن على الحكم وإنما «استيضاح» رأى المحكمة فى نقطتين:
الأولى متعلقة بتفسير معنى النص الخاص بضرورة حصول الرئيس على موافقة الحكومة على قراره.
والثانية متعلقة بما إذا كان قرار الرئيس يعتبر عملا من أعمال السيادة أم لا.
وكل هذا ليس سوى تحايل وتلاعب بالألفاظ، ومحاولة للالتفاف على التعهد الذى قطعته الرئاسة على نفسها فى بداية الأمر، ثم سولت لها نفسها الأمارة بالسوء، أو أوعز لها البعض فى مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين أو غيرهم، بالتنصل منه.
***
وأيا كانت الجهة التى أوعزت للرئاسة بالنكوص عن تعهداتها بعدم الاستشكال على الحكم أو الطعن عليه، فإن الرئاسة قد ارتكبت خطأ سياسيا جسيما، بالتشكيك فى مصداقيتها، المزعزعة أصلا، الأمر الذى من شأنه أن يحسم تردد من كان يفكر فى الانضمام إلى «عاصرى الليمون» والمغامرة بالجلوس على مائدة المفاوضات مع النظام الحاكم من أجل البحث عن مخرج للأزمة التى أدخل البلاد فيها، والتى تدفع الطبقات الشعبية الفقيرة والمطحونة ثمنها وتتحمل عبئها.
ولن يكون من باب التصيد أو الترصد أن ينعش هذا الموقف الأخير ذاكرة الكثيرين باستدعاء سلسلة طويلة من عدوان النظام الحاكم على القانون والقضاء وأحكامه منذ اليوم الأول لدخول الرئيس محمد مرسى قصر الرئاسة، بدءا بإلغاء حكم القضاء بحل مجلس الشعب، ومرورا بغض النظر عن حصار الميليشيات الموالية له للمحكمة الدستورية العليا وإهانة قضاتها ومنعهم من مزاولة عملهم، وعزل النائب العام وتعيين آخر بالمخالفة الفظة لتقاليد القضاء وضمانات الحصانة المكفولة لشاغل هذا المنصب الخطير.
صحيح أن الطعن على أحكام القضاء إجراء قانونى ، لكن اللجوء إليه فى السياق الذى نحن بصدده، وبعد التعهد بعدم اللجوء إليه، يفتقر إلى الحكمة ومقتضيات الملاءمة السياسية، وعلى الأرجح أن مكاسبه – إن وجدت – أقل كثيرا من خسائره، وما أكثرها.
ويبدو أنه كتب علينا استمرار المعاناة مع رئاسة أدمنت الفشل والحسابات الخاطئة.
*نقلاً عن "الصباح" المصرية