نهاية الحكاية
في الحكم يكون الصدام الأول بالقضاء الذي هو القانون والدستور, من حيث إنهما العنصران اللذان تتأسس عليهما القيم المنبثقة عن العدل الذي هو أساس الحكم في أي دولة حديثة.
ويمكن النظر إلي هذا الحصار بوصفه حلقة في سلسلة العداء للمحكمة الدستورية, أعني العداء الذي بدأ من أعضاء مجلس الشعب الذي حكمت المحكمة بحله لعدم دستورية القانون الخاص بانتخاب أعضائه وقد تعالت أصداء عدد غير قليل من أعضاء المجلس بالهجوم علي المحكمة إرهابا لها من الحكم بحل المجلس وكان واضحا أن الهجوم جاء من الأعضاء المنتمين إلي جماعة الإخوان وأشياعهم من حزب الوسط الذين نسوا ما عاهدوا الناس عليه وقد استمر هذا العداء بعد حل المجلس, في محاولة تجنب الرئيس القسم أمام المحكمة الدستورية وحتي عندما خرج الرئيس علي أبناء عشيرته من الإخوان في اليوم التالي لصدور قراراته الدستورية( في الثاني والعشرين من نوفمبر) فإنه عاود اتهام المحكمة الدستورية بالتآمر. ولكنه لم يكشف عن أبعاد هذا التآمر ولم يقدم دليلا عليه, وهو الذي يملك السلطة العليا في البلاد. ولم تفعل هيئة المحكمة الدستورية سوي المطالبة بالدليل علي ما يقوله الرئيس.
ولم يكن من الغريب أن يتم حصار المحكمة الدستورية بجحافل إسلامية في مطلع شهر يناير من هذا العام, استمرارا لمسلسل العداء إرهابا للمحكمة عن النظر في قضيتي: حل مجلس الشوري بدعوي عدم دستورية قانون الانتخابات, أسوة بمجلس الشعب; وعدم دستورية اللجنة التأسيسية للدستور. وقد اضطرت المحكمة, مرغمة إلي إيقاف أعمالها. وتأجيل النظر في كل الدعاوي المنظورة أمامها.
وقد ابتدأ حصار المحكمة في أول يناير, بعد شهر واحد من تسليم الدستور الجديد إلي رئيس الجمهورية, خوفا من تدخل المحكمة للحيلولة دون الاستفتاء عليه. وكان رئيس المحكمة الدستورية العليا قد صرح من قبل, حين بدأت المحكمة في نظر قضيتي حل مجلس الشوري بدعوي عدم دستورية قانون الانتخابات الذي تم بموجبه انتخاب أعضاء المجلس, وعدم دستورية القانون الخاص بتشكيل الجمعية التأسيسية للدستور, بأن المحكمة ستظل حارسة للدستور, وسيظل قضاتها حراسا له, وأنها لن تطوي صفحة حصارها ببؤس واستسلام. ومن جانبهم, وقف جميع الحضور احتراما للمحكمة, وتحية لها علي موقفها, في حين, امتنع محامي الإخوان عن الوقوف مع الحضور( الشروق2013/2/21). وكان رئيس المحكمة قد نفي في تصريحات سابقة, نقلتها وكالة الأنباء الرسمية, أن يكون قرار المحكمة بمواصلة نظر تلك الدعاوي قد جاء تحديا لرئيس الجمهورية الذي ضمن الإعلان الدستوري مادة تقضي بإلغاء هذه الدعاوي, كما أكد البحيري أن المحكمة تنظر في الدعاوي بحسب القانون والدستور. ولم يكن رئيس المحكمة الدستورية, وهو يدلي بتصريحه يعلم أن الدستور الجديد سوف يقوم بتغيير قضاة المحكمة وكيفية عملها, ذلك علي الرغم من أن القيادات المتظاهرة أمام المحكمة كانت تعرف ذلك, بدليل هتافاتهم فاضل علي الحلو دقة أرجوك ما تقولش لأ و مبروك للتأسيسية إحنا الأغلبية.
أما علي المستوي العالمي, فمن الواضح أن حصار المحكمة الدستورية أحدث آثاره العالمية, فقد أرسل جيرهارد رايزنر رئيس الاتحاد الدولي للقضاة خطابا إلي الرئيس محمد مرسي للتعبير عن تضامن القضاء العالمي مع القضاء المصري, ومن أجل حث الرئيس علي تفعيل مبدأ الفصل بين السلطات, وفي صيغة عنيفة في لهجتها أكد الاتحاد الدولي أن الديمقراطية قوامها الأساسي هو استقلال القضاء وعدم تعريضه لأي ضغوط شعبية أو سياسية من أي نوع, وأشار الخطاب إلي ضرورة الفصل والتوازن بين السلطات وحماية السلطة القضائية من تغول السلطة التنفيذية. ومما يذكر أن الاتحاد الدولي للقضاة هو الجهة الدولية الممثلة للقضاء العالمي أمام المنظمات العالمية, حيث يضم أكثر من80 ناديا ومحكمة دستورية عليا في العالم وأشارت تقارير صحفية إلي أن الاتحاد ربما يصعد من موقفه بتقديم مذكرة عاجلة لمنظمة الأمم المتحدة لعرض الانتهاكات الأخيرة التي تعرضت لها المحكمة الدستوية العليا. وقد استمر الإخوان في تصعيد محاصرتهم للمحكمة الدستورية بهدف التشويش علي عملها والحيلولة دون تدخلها القضائي في الاستفتاء بأي شكل حتي يتم تمرير الدستور علي اعتقاد بأن المحكمة تمارس دورا في تعطيل وهدم مؤسسات الدولة.
ولم يكن من قبيل المصادفة- والأمر كذلك- أن يحاصر المؤيدون لحازم صلاح أبو اسماعيل- المتحالفون مع الإخوان- مدينة الإنتاج الإعلامي, ليكتمل حصار أهم رمزين للحرية والقانون. ولم ينفض الاعتصام حول مدينة الإنتاج الإعلامي إلا بعد أن أصبح واضحا للجميع أن الطريق أصبح ممهدا للاستفتاء علي الدستور الذي تم في موعده. وقد أعلنت نتيجة الاستفتاء في الخامس والعشرين من شهر يناير2013 بموافقة نحو64% واعتراض36%. ولكن الموافقة لم تحل دون استمرار انقسام الوطن وتواصل الأزمات والمظاهرات في وطن ضاع استقراره وانهار اقتصاده واقتتل أبناؤه ولا يزالون يقتتلون. أما الدستور فقد اكتشف المؤيدون له جوانب عواره الذي وعد الرئيس بتداركها, وهو موقف يطرح السؤال: وما جدوي استعجال إصداره أصلا, خصوصا بعد انسحاب القوي الوطنية الديمقراطية كلها من الجمعية التأسيسية للدستور في اليوم السابق مباشرة؟!!.
وبالطبع تضمن الدستور الجديد المواد الانتقامية الخاصة بالمحكمة الدستورية, فنص علي أنها جهة قضائية بدل هيئة قضائية ونص علي أنها تتكون من أحد عشر عضوا, بما فيهم الرئيس, بدلا من ثمانية عشر عضوا, وهو وضع يمثل, أولا, عقبة في عمل المحكمة, في حالة إذا ما تم رد الدائرة التي قد ترفع أمامها دعوي من الدعاوي, فكيف يتم تشكيل دائرة أخري, والدائرة تتكون من سبعة أعضاء آخرين. ويمثل الوضع نفسه, أما غاية المقصد الأصلية فكانت التخلص من المستشارة تهاني الجبالي, المرأة الوحيدة التي كانت مواقفها وتصريحاتها المدافعة عن ضرورة احترام الدستور شديدة الوطأة علي جماعة الإخوان وحزبها. ولم تتوقف مثالب الدستور الجديد عند هذا الحد, فقد أظهرت مسوداته التي نشرت قبل اعتماد الصياغة النهائية, أشكالا كثيرة من العوار أثارت ثائرة القوي الوطنية غير الإخوانية والسلفية, بل وجد من بين السلفية من كانت له ملاحظاته الرافضة لبعض مواد الدستور حتي بعد اعتماده.
* نقلا عن "الأهرام" المصرية