سلوكيات عدوانية

عمرو خفاجي
عمرو خفاجي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

ليس فقط، الصراع الذى يدور بين الأطياف المختلفة، أو حالة الانسداد السياسى بين أطراف المشهد الراهن، هى التى لا تطمئننا على حاضر مصر ومستقبلها، فما يجرى فى الفناء الخلفى لبنية الاقتصاد المصرى، هو الذى يدعو للقلق بالفعل، ليس من باب إمكانية تأزم الوضع اكثر من ذلك، ولكن لأنه يكشف عن كم هائل من الممارسات والسلوكيات العدوانية تجاه البلاد بقلوب هادئة وأعصاب باردة، وكأنهم لا يفعلون شيئا سوى أنهم ناس «شطار» يدافعون عن مصالحهم ويكسبون عيشهم فى اطار ما ظهر أمامهم من فرص وآليات، يتعامل معها الجميع وفقا لمعطيات الواقع والحاصل بالفعل على كل الانشطة الاقتصادية والخدمية، وكل من يفعل ذلك يعتقد ــ للأسف ــ أن ما يفعله، ويتشارك معه الكافة هو من الامور العادية التى لا تستوجب أى احساس بالذنب، على الرغم من انه وغيره، يعرفون جيدا ان هذه مصائب كبرى سترهق البلاد وتؤذيها وتهدد نجاح أى محاولات لاحقة للإصلاح.

كنا نتوقع ان تبدل الثورة من سلوكيات رديئة معتادة، وان يكون هناك حرص على بلد آخذ فى التغيير والتطهر، تماما مثل القصة الشهيرة عن عدم وجود أى حوادث جنائية أثناء عمليات حرب اكتوبر ١٩٧٣، لكن من يتابع المشهد الاقتصادى لن يجد فى غالبيته سوى جرائم بشعة لم تتوقف منذ عامين، بل وتتسع رقعتها كلما حانت الفرصة او دخل المشهد لاعب جديد، أو سلعة تدعو للتلاعب بها.

وفى مقدمة السلوكيات العدوانية، البناء المخالف من دون تصريح، وهو احيانا ينتهى بكوارث وضحايا تحت انقاض هذا السلوك، والمخالفات هنا تمتد من البناء غير المطابق للمواصفات، إلى البناء على أراض لا يجوز البناء عليها، إما لأنها أراض زراعية، او انها أراض مخصصة لخدمة عامة فى المستقبل القريب (مدرسة، مستشفى، طريق..) والمؤلم فى الأمر ان من يمارس ذلك يعتمد على غياب سلطة الدولة، ومن بعد ذلك طيبتها ورخاوتها، حيث إن الدولة لا تهدم بيتا لأحد تعب فى بنائه، وطبعا حينما ينشط البناء بدون ترخيص تنشط معه اسعار مواد البناء دون غضب او اعتراض على جنونها، لأن كل من يبنى بعيدا على القانون هو يعفى نفسه من الدفع لخزانة الدولة ثم يدفع فروق اسعار هذه المواد باعتبار ذلك صفقة رابحة، وان الحساب الختامى سيكون فى صالحه من دون شك.

الأمثلة لا تنتهى، فكل السلع التى تخضع للدولار بشكل او بآخر، باتت مختفية، ومخزنة، وفى مقدمتها اجهزة التكييف، لأن الكل ينتظر صعود سعر الدولار إلى ما هو اكثر، وبالتالى تتضاعف الأرباح من دون جهد وعناء، بل الدولار نفسه تحول إلى سلعة، فلا يذهب احد بائعا إلى البنك، ومن يفعل هو المجنون والمختل فى نظر الجميع، أما المبرر الذى يكشف عما سنواجهه قريبا، ان الكل يفعل ذلك تحت دعوى «لست انا الذى سأخرب الاقتصاد»، بتخزين عدة اطنان من الحديد، أو عشرات من اجهزة التكييف، أو بيع عدة آلاف من الدولارات فى السوق السوداء، أو بناء بيت على خمسة قراريط، فمصر لن تجوع لأن هناك من بنى بيتا على هذه القراريط الخمسة.

الواقع، ان هذه السلوكيات الرديئة، هى سلوكيات عدوانية بالفعل، تعتدى على الحالة الاقتصادية لهذه البلاد، وتخرب فى بنيتها وتعتدى على سلامة عملتها، وتقطع فى أوصال بنائها، وتدهس كل مطالب الناس وترهقهم بلا اسباب حقيقية، ويدفعون أثمانا باهظة فى ما لا يساوى، وفى حقيقة الأمر ان بناء بيت على خمسة قراريط يمكن ان يكون سببا فى مجاعة البلاد، وان تخزين عدة اطنان من الحديد بحثا عن ارباح اكثر، قد يكون سببا مباشرا لارتفاع نسبة البطالة وزيادة عدد الفقراء، وان من يقوم بتخزين عشرات من أجهزة التكييف، هو يخرب فى الاقتصاد ويعطل النشاط ويظلم كما هائلا تتوقف اعمالهم ويدفعون غرامات تأخير بسبب ما يفعل، وان من يتاجر فى عدة آلاف من الدولارات هو بالفعل يؤذى البلاد فى رمز من رموزها الغالية وهو «الجنيه» والذى أخاف ان نترحم عليه قريبا بسبب كل هذه السلوكيات العدوانية.

نقلاً عن صحيفة "الشروق"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.