بين مسئولية الحكومة ومسئولية المعارضة
يواجه المجتمع المصري انقساما سياسيا واجتماعيا خطيرا في هذه المرحلة الدقيقة من التاريخ المصري.
فأيا كانت المواقف أو الآراء السياسية, فلا أعتقد أن هناك خلافا حول توصيف الموقف. فهناك إنقسام, أيا كانت الخلافات حول نسبته, كما أن هناك ارتباكا, والأمور لا تتقدم وإنما تتعقد. والسؤال من هو المسئول؟ الإجابة السريعة وغير الكافية هي أننا ـ جميعا ـ مسئولون بدرجة أو أخري. ولكن هذا لا يكفي, إذ لا بد من مزيد من التفصيل عن حدود هذه المسئولية. فما هي مسئولية الحكومة عن هذا الوضع المتدهور؟ وما هي مسئولية المعارضة؟ هل الكل مسئول؟ وهل الكل مسئول بنفس الدرجة؟ الإجابة عن هذا السؤال تحتاج إلي نموذج نظري يحدد ويعرف بدرجة أكبر من الوضوح دور كل من الحكومة والمعارضة في تحقيق الاستقرار وعناصر الإطمئنان في الدولة. وفي ضوء هذا التحديد يمكن الإجابة علي مدي مسئولية كل من الطرفين.
ونظرا لثقافتي القانونية السابقة, فإنني أقترح أن ينظر إلي هذا الموضوع من خلال ما استقر عليه الفقه القانوني في تحديد معني وحدود المسئولية في القانون. ويتمتع القانون ـ في جميع المجتمعات ـ بتاريخ طويل جعل منه, ومن الطب أيضا, أقدم الدراسات وأعمقها. ولذلك فإن استخلاص أنواع المسئولية, كما تطورت في الدراسات القانونية, يمكن أن يساعد علي إلقاء أضواء علي تحديد مدي المسئولية لكل من الحكومة والمعارضة في استمرار حالة الاضطراب والقلق, والتي تهدد كيان ومستقبل البلد.
يميز رجال القانون في ميدان المسئولية بين نوعين منهما; أحدهما ويطلق عليه المسئولية بنتيجة, والآخر ويعرف بالمسئولية بعناية أو بوسيلة. فما المقصود من هذه التفرقة؟ ومتي تكون المسئولية بنتيجة, ومتي تكون بوسيلة فقط؟ وهل مسئولية الحكومة والمعارضة في صدد الإسقرار الأمني والسياسي والإقتصادي مسئولية متساوية أو متكافئة بينهما, أم أن هناك خلافا في درجة المسئولية علي كل منهما؟ هذا هو السؤال.
ولنبدأ بتعريف ما هي المسئولية بنتيجة؟ عندما تشتري سلعة من التاجر سواء كانت جهازا أم قماشا أم غير ذلك, فأنت تتوقع أن يكون الجهاز صالحا للإستعمال وأن القماش سليم وغير ممزق, ولا يستطيع البائع أن يتحلل من إلتزامه بالقسم باليمين المغلظة بأنه يشتري بضاعته من أفضل الموردين. فالبائع يلتزم أمام المشتري بإعطائه بضاعة صالحة ومفيدة, ولا يمكن أن يعذر بأنه وقع عليه غش من المورد أو خطأ من العاملين. هنا التزام البائع هو بنتيجة, وهي وضع السلعة السليمة تحت تصرف المشتري, وإلا فإنه يكون متخلفا عن تنفيذ التزامه. كذلك الأمر, إذا كلف مكتب هندسي ببناء مطار أو إقامة كوبري, فيجب أن يكون المطار أو الكوبري صالحا للعمل خلال الفترة المتفق عليها, فإذا أصاب أحدهما هدم أو اختلال, فلا يستطيع المكتب الهندسي التعلل بأنه إستعان بأفضل المهندسين أو أقوي شركات المقاولات. هذه كلها التزامات بنتيجة. فما لم تتحقق النتيجة, فإن المسئولية تقع علي الملتزم, وليس لديه أي عذر وعليه تحملها.
هذا عن المسئولية بنتيجة, فماذا عن المسئولية بعناية؟ عندما تذهب إلي الطبيب للعلاج أو إلي المستشفي لإجراء عملية جراحية, فهناك مسئولية علي الطبيب كما علي المستشفي, ولكنها ليست مسئولية بنتيجة وإنما هي فقط مسئولية بعناية, بمعني أن الطبيب مسئول عن تقديم العلاج السليم بعد إجراء الفحوصات اللازمة وربما طلب إجراء أشعات أو تحليلات أو حتي الإستعانة بإخصائيين آخرين ثم كتابة العلاج, ومتابعته. ولكن الطبيب غير مسئول إذا لم تنجح هذه الإجراءات في حماية صحة المريض. فمسئولية الطبيب هي بذل العناية اللازمة دون تقصير, ولكن ليس عليه ضمان نتيجة الشفاء. وكذا الحال, بالنسبة للمستشفي, فإن عليه أن يوفر كل الإجراءات اللازمة لسلامة إجراء العمليات الجراحية واتخاذ التدابير المطلوبة فنيا, فإذا أصاب المريض رغم ذلك بعض المضاعفات غير المقصودة, وبعد أخذ كل الاحتياطات, فلا تثريب علي المستشفي. فالمستشفي مسئول عن توفير العناية الواجبة برعاية الاحتياطات الفنية المطلوبة, ولكنه ليس مسئولا عن تحقيق نتيجة محددة, وهي نجاح العملية. وكذا المدرس في المدرسة, فهو مسئول عن تقديم الدروس بأكبر قدر من الأمانة والإخلاص وإعطاء الرعاية الكاملة لكل تلميذ أو طالب. ولكنه ليس مسئولا عن نجاح جميع التلاميذ أو تفوقهم. وبطبيعة الأحوال, فإن لتقديم هذه الخدمات بالرعاية الواجبة ضوابط وأصول. ومع ذلك يظل هناك فارق كبير في المسئولية بين المسئولية بنتيجة والمسئولية بعناية. في الحالة الأولي, إذا لم تتحقق النتيجة تقع المسئولية, وفي الحالة الثانية, لا تقع المسئولية إلا في حالة الإخلال بالعناية الواجبة.
والسؤال الأساسي هنا حول المسئولية السياسية للحكومة والمعارضة, هل هي مسئولية واحدة ومتجانسة, أم أن مسئولية الحكومة تختلف في طبيعتها عن مسئولية المعارضة؟ هذا هو السؤال.
والإجابة عندي واضحة, علي الأقل في شق منها. فمسئولية الحكومة هي مسئولية بنتيجة, فالحكومات لا تأتي لمجرد بذل العناية المطلوبة, وإنما علي الحكومات التزام بتحقيق الأمن والاستقرار بالدرجة الأولي, ثم توفير مقومات التقدم الإجتماعي والسياسي. فإذا فشلت الحكومة في تحقيق الأمن والإستقرار, فإنها قد تكون أخلت بمسئوليتها الأولي ولا يقبل منها أي أعذار. فالحكومات لا تقام لكي تحاول أو تبذل العناية لتحقيق الأمن والاستقرار, وإنما سبب وجودها هو ضمان هذا الأمن وذلك الاستقرار, ودون ذلك تتحمل المسئولية ولا يقبل منها أي أعذار.
وإذا كانت مسئولية الحكومة عن الأمن والاستقرار هي مسئولية بنتيجة, فلا يجوز لها التحلل من هذه المسئولية بأي عذر من الأعذار, وهي بذلك تكاد تفقد مشروعيتها. ولكن ماذا عن الأطراف الأخري. ألا تقوم مسئولية أيضا علي المعارضة؟
الحقيقة أن استقرار وأمن البلاد وهو مسئولية الجميع, وأن المعارضة والقوي السياسية تتحمل ـ ولا شك ـ قدرا من المسئولية. ومع ذلك, فليس من المنطقي أن نقارن مسئولية الحكومة بمسئولية المعارضة. الحكومة تتمتع بالسلطة القانونية لمواجهة الأحداث, وتحت تصرفها سلطات الأمن والدفاع والوزارات المختلفة, وهي مفوضة من الشعب بممارسة هذه السلطات من أجل حماية الأمن والاستقرار.
أما المعارضة ـ ورغم أنها تتحمل الكثير من المسئوليات السياسية ـ فإنها ليست مفوضة من الشعب ولا تملك في الغالب أدوات السلطة المادية والمعنوية, كما هي حال الحكومة. لذلك, فإنه رغم أن الجميع مسئول سياسيا عن الأمن والاستقرار, فإن مسئولية الحكومة الأساسية والوحيدة والمفوضة به من الشعب هو توفير الأمن والاستقرار. ولذلك فإن هناك فارقا نوعيا في مدي مسئولية الحكومة والمعارضة عن الأمن والاستقرار.
مسئولية الحكومة مسئولية بتحقيق نتيجة بتوفير هذا الأمن والاستقرار, في حين أن مسئولية المعارضة هي مسئولية بوسيلة ببذل العناية الكافية والتصرف بأكثر قدر من الوعي والمسئولية, وهي مسئولة عن تصرفات محددة إذا أدت إلي الإخلال بالأمن والاستقرار.
والغرض من هذه التفرقة, ليس فقط التمييز بين حدود المسئولية لكل من الطرفين المشار إليهما, وإنما التأكيد علي أنه لا يجوز للحكومة كما لا يكفي لها الإدعاء بأن إنتفاء الأمن والاستقرار لا يرجع إليها وإنما إلي الظروف, وربما إلي المعارضة. هذا غير مقبول, فالحكومة موجودة لتحقيق الأمن والاستقرار, وليس لتقديم الأعذار والحجج, وإذا لم يتحقق الأمن والاستقرار, فإنها تكون قد فشلت وعليها أن ترحل.
ليس للحكومات أن تقدم أعذارا ومبررات, وإنما عليها أن تحقق نتائج علي الأرض, وإلا فإنها تكون قد أخلت بالتزاماتها وتقع عليها المسئولية.
مسئولية المعارضة منوطة بارتكاب أخطاء يترتب عليها الإخلال بالأمن والاستقرار, في حين أن مسئولية الحكومة مفترضة حين يختل الأمن والاستقرار. والله أعلم.
*نقلاً عن "الأهرام" المصرية.