.
.
.
.

نقّطنا بسكاتك

رامي جلال عامر

نشر في: آخر تحديث:

(.) النقطة الموجودة فى بداية المقال هى نقطة ضعفى فلا تضغط عليها من فضلك، واستمر فى القراءة كأنك لم تر شيئاً.. وعلى الرغم من صغر النقطة- أى نقطة- فهى ليست مجرد نقطة! فأى شكل يتكون من خطوط، والنقطة أصل كل خط، وبالتالى فالنقطة أصل كل شكل.. وكلنا نرجو أن ندخل الحياة ونخرج منها دون وضع «نقطة سوداء» فى سجلاتنا، وإن حدث فإننا نتمنى ألا نكون قد وصلنا لـ «نقطة النهاية» أو «نقطة اللاعودة»، لكى نرجع مرة أخرى لـ «نقطة الصفر» باحثين عن «نقطة البداية» لنعبر منها إلى «نقطة الانطلاق» لحياة أخرى و«نقطة وصول» جديدة.

والنقاط كثيرة لا حصر لها، ففى علم الهندسة الفراغية «النقطة الفراغية» هى نقطة موجودة لكن بدون مساحة أو حجم أو أبعاد! وفى علم الديناميكا الحرارية «النقطة الثلاثية» هى نقطة تواجد نفس المادة كغاز وسائل وصلب معاً! وفى علم السياسة المصرية «النقطة الشللية» هى نقطة تصيب البشر فتجبرهم على التحرك بكرسى ذى عجل!

وفى حياتنا أمور كثيرة نختزلها فى نقاط، فقسم الشرطة هو «النقطة»، والتنافس الرياضى أصله «النقطة»، ومكان الحرب هو مجرد «نقطة ساخنة»، أما فى المناقشات فدائماً توجد «نقطة خلاف» أو «نقطة اتفاق»، أو«نقطة وسط» بينهما.. وصحيح أن النقطة وحدها قد تكون مجرد صفر لا قيمة له، لكن «أصفار قليلة تحل مشاكل كثيرة»، وست نقاط على اليمين تحوّل الإنسان من فقير على باب الله إلى مليونير على باب البورصة..

وكثيراً ما تحولت «نقطة نفط» إلى «نقطة فاصلة» وأشعلت «نقطة حدود»، لكن تبقى أغلى نقطة هى «نقطة المياه» ومن أجلها قد تراق «نقطة الدم»، أما أسوأ نقطة فهى «النقطة العمياء» التى قد تتسبب فى الكثير من الكوارث.. ودلالات النقاط تختلف من مكان لمكان؛ فالمطر فى شوارع القاهرة يسميه أهل الإسكندرية «تنقيط» (نزول أمطار قليلة على المدينة)، والتحية فى أفراح الإسكندرية يسميها أهل القاهرة «تنقيط» (نزول أموال كثيرة على الراقصة).. والنقاط الصغيرة يمكنها أيضاً تغيير المعانى، فنقطة واحدة تفرق بين «القراء» الذين يشرفوننى بالقراءة مستخدمين عقولهم، وبين «الفراء» الذى يميز الخروف عن الإنسان! ونقطتان تفرقان بين «الغباء» وهو مرض عضال و«الغثاء» وهو من أعراض الغباء! وثلاث نقاط تفرق بين «السجون» وما تسببه من «الشجون»..

فلا تستهينوا بالنقطة لأنها بداية كل شىء، وأنظمة العالم الثالث جميعها تخاف من مجرد «نقطة حبر».. ولأننى أخشى أن يقول لى أحد القراء الأعزاء «نقّطنا بسكاتك»، لذلك سأضع نقطة ومن أول السطر!

*نقلاً عن "المصري اليوم".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.