السياسة والعدالة

عمرو خفاجي
عمرو خفاجي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

من خطايا الأنظمة السابقة فى مصر، استخدام الامن والقانون فى مواجهة المعارضين لهم، وتبدى ذلك بجلاء فى النظام السابق، حينما ماتت السياسة تماما، وتم اسناد أمورها لجهات أمنية، تتفاوض مع السادة المعارضين، منهم من كان يرضخ فيحصل على مكافأته فى التو والحال (أمثلة كثيرة من بينهم نجوم فى أيامنا هذه) أو من يرفض، فتعرف الجهات الامنية كيف توقع عليه العقاب، وادارة الامن للسياسة، رغم نجاحها فى مواقف كثيرة، من وجهة نظر النظام، الا انها كانت السبب الرئيسى لاندلاع ثورة يناير والقضاء على نفسه، لذا أصبح فى مقدمة طلبات الاجهزة الامنية، إبعادها تماما عن السياسة والخلافات السياسية، وبصراحة معهم كل الحق، ولا أعرف لماذا لا يساعدهم النظام الحالى على تحقيق ذلك، حتى يتفرغ الامن لمهامه الاصيلة والتى يطلبها كافة أفراد المجتمع.

وأعتقد، ان قيادة الفكر الامنى للعمل السياسى، هو الذى ورط مصر فى الخطيئة الكبرى، وهى استخدام القانون فى التخلص من المعارضين، وهى بالمناسبة أمور لا يغفل عنها المجتمع ويتوقف عندها كثيرا، وتكون النتيجة، الخوف من القضاء والحكم عليه بعدم الحياد، وذلك من شأنه الفتك باى دولة مهما كانت قوتها وتاريخها، ولا يوجد مثال على ذلك، أفضل من قصة حسام ابو الفتوح، حينما استيقظ الرأى العام على حبسه بتهمة حيازة بندقية صيد بط بدون ترخيص وتهريب عدة زجاجات من الخمور، وربما تكون تهم حقيقية وثابتة (الله اعلم) لكن الرأى العام سأل بذكاء وقتها: ماذا فعل ابو الفتوح حتى يذهب الى السجن بهذه التهم؟ اى انهم يسألون عن السبب الحقيقى للغضب عليه.

النظام السابق رسخ لاستخدام اجهزة العدالة فى الصراع السياسى، والباحث عن العدالة عليه ان لا يعيد انتاج النظام السابق، ومما ننبه اليه، ان نموذج استدعاء النشطاء (بالضبط والاحضار) لا يمكن قراءته الا فى اطار ذلك، أو على الاقل، هذا ما يراه قطاع كبير من المشتغلين بالعمل العام فى مصر، فاذا كانت اطراف الصراع تريد ان تحقق نتائج على حساب بعضها البعض، فليكن ذلك بعيداً عن القضاء، فحجم الصدام بسبب قرارات النائب العام، سواء التى اصدرها او التى لم يصدرها بات يهدد العدالة عند رجل الشارع، فالنيابة جزء أصيل من منظومة العدالة، التى لا تستقيم بغياب هذا الجزء، وربما تكون المرة الاولى فى تاريخ مصر، ان يكون هناك قضاة ومواطنون يصرحون بعدم اعترافهم بتولى شخص لمنصب النائب العام، وعبروا عن ذلك بأحكام قضائية وفى أوراق رسمية.

من الرفاهية الان، الحديث عن المتسبب فى بناء هذا المشهد الذى يهدد قيمة العدالة، فليس لدينا وقت لبحث الامر ومناقشته أو الاعتراك حوله، يبقى فقط وقت لاتخاذ قرارات، تبعد العدالة عن السياسة، وتجنبها ويلات هى فى غنى عنها، وكذلك نحن، فلا دولة من دون عدالة، فربما هناك الكثير من الخطايا التى يمكن تداركها، واصلاحها ومعالجة الاثار التى تنجم عنها، الا هذه الخطيئة، فالقليل منها مثل الكثير، يدفع المواطنين من العيش بقوانين وقواعد دولة، الى فوضى العنف وشريعة الغاب، فهل من مجيب؟.

نقلاً عن صحيفة "الشروق"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.