دعوة لإنقاذ مصر

فاروق جويدة
فاروق جويدة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
9 دقائق للقراءة

حالة المريض تسوء كل يوم والأطباء حوله عاجزون عن المواجهة إما جهلا أو عجزا أو مراوغة‏..‏ واهل المريض يتصارعون فيما بينهم بحثا عن الغنائم وهم لا يعلمون انه افلس وان ما بقي في الخزانة والحسابات والبنوك لا يكفي لسداد تكاليف العلاج‏..

كل يوم ينظر المريض حوله طالبا الرحمة ولكنه لا يفيق عادة إلا حين يطلع ضوء الشمس ويتسلل الي حجرته الباردة شئ من الدفء ويكتشف انهم جميعا غائبون ولا احد يجلس بجواره غير ممرضة عجوز هي آخر ما بقي له في رحلته الطويلة..

هذا هو حال مصر الأن انفض الجميع من حولها وهي تبحث عن صوت عاقل وقرار حكيم واطباء يخافون الله فيها.. والسؤال الأن هل نترك الأمور تمضي الي هذا المجهول وهل يمكن ان تبقي مصر بهذه الصورة الحزينة من الإرتباك والتفكك والفوضي وغياب المسئولية..
في تقديري ان انقاذ مصر في هذا الظرف التاريخي الصعب يحتاج الي رجال أوفياء أخر ما يفكرون فيه مصالحهم الشخصية واهدافهم المشروعة وغير المشروعة


ان مصر تحتاج الأن الي خطة عمل تقوم علي ثلاثية لا ينبغي ان نختلف عليها وهي خطة إنقاذ اقتصادي.. وخطة إنقاذ امني وسلوكي.. وخطة مصالحة وطنية تجمع اشلاء الوطن الممزق..

في ظروف مصر الأن اقول ان رغيف الخبز اهم من صندوق الإنتخابات وكل احلامنا في الديمقراطية.. ولا يعني ذلك ان نتخلي عن قضايا الحريات وحقوق الإنسان واحلام الثورة والثوار ولكن البطون الجائعة لن تذهب الي لجان الإنتخابات والشعب الذي يحترق كل يوم في نيران الحاجة لن يتوقف كثيرا عند الكلمات الرنانة والخطب النارية.. الموقف الإقتصادي في مصر الأن هو نقطة المواجهة الأولي وهذا يتطلب فتح صفحة جديدة لكل من يريد ان يعمل وينتج في هذا البلد إذا كانت هناك تجاوزات سابقة فهي امام القضاء وفي المحاكم ومن هنا لا بد ان يستعيد القضاء هيبته لأنها جزء اصيل من هيبة الدولة ولا يمكن ان نطلب من مستثمر اجنبي أو عربي أو حتي مصري ان يأتي بأمواله في ظل دولة لا تحترم قوانينها ومؤسسات لا تقدر مسئولياتها.. ان الموقف الإقتصادي يتطلب الأن ان نفتح الأبواب للجميع وان تعود مواكب العمل الي سيرتها في مجتمع منتج ومبدع وخلاق.. ان النزيف الذي يواجهه الإقتصاد المصري الأن لن يحتمل كثيرا.. نحن امام الاف المصانع التي توقفت ويجب ان تعمل وامام ملايين العمال الذين جلسوا في بيوتهم ويجب ان يعودوا الي اعمالهم وهناك حالة من الرعب يشعر بها كل صاحب مال ويجب ان نسترد ثقته واحساسه بالأمان..


نحن امام ميزانية فيها عجز اقترب من200 مليار جنيه وامام ديون تجاوزت ترليون و400 مليار جنيه.. ولكننا امام اصول تتجاوز كل هذا بكثير وامام مدخرات للمصريين في البنوك المحلية اكثر من ترليون و100 مليار جنيه يمكن ان نضخ جزء كبيرا منها لتمويل المشروعات سواء كانت للقطاع الخاص أو مؤسسات الدولة.. ان هذا يعني انتاجا وعمالة وتصديرا ودخلا جديدا.. هناك مشروعات توقفت عن الإنتاج بسبب القروض واخري بسبب الأمن وثالثة بسبب نقص التمويل وحين تتوافر هذه الأشياء سوف تعود هذه المصانع للانتاج مرة أخري.. وسط هذا كله ينبغي ان تتوقف عشوائية القرارات وكأننا نعيد فرض الحراسات والتأميم واتهام الناس بالباطل إذا كان هناك شخص متهم فالقضاء له الف باب اما التهم الجزافية فهي اقرب طرق الخراب والإفلاس وبدلا من الخطب الرنانة والتصريحات العنترية من المسئولين يجب ان تتجه انظارهم الي عودة الإنتاج وتشغيل المصانع وفتح ابواب جديدة للاستثمار وطرح المشاكل مع المتضررين والعمل علي مواجهتها.. الإقتصاد المصري لن يحتمل كثيرا ويجب انقاذه قبل فوات الأوان..

< نأتي الي الجانب الثاني في خطة الإنقاذ الوطني وهي استعادة الأمن في الشارع المصري.. لا شك ان حالة الإنفلات التي يشهدها الشارع المصري قد وصلت بنا الي صورة من صور الفوضي لم تشهدها مصر من قبل.. ولا بديل امامنا غير ان يستعيد جهاز الشرطة دوره وهيبته.. ان ما تعرض له جهاز الشرطة منذ قيام الثورة وحتي الأن يمثل كارثة كبري بكل المقاييس.. نحن امام جهاز تم تدميره في لحظة غليان غير مسبوقة ربما تحولت القضية الي نوع من انواع الإنتقام وإذا كان ذلك قد حدث ايام الثورة امام ضغوط معينة وتاريخ قديم من التجاوزات والأخطاء إلا اننا الأن وفي ظل إعادة بناء هذا الجهاز في حاجة الي ان يسترد عافيته هناك عشرات الكوارث التي تحدث في الشارع المصري الأن دون ان تشاهد فردا واحدا من رجال الشرطة ولا يعقل ان نترك المواطنين يسحلون بعضهم ورجال الشرطة ينظرون من بعيد.. في ظل حالة الإنفلات لا يمكن ان يطالب احد ايا كانت توجهاته بحياد الشرطة.. ان الحسم هو رد الفعل الطبيعي امام اي تجاوزات هنا ينبغي توفير جميع مطالب رجال الشرطة ابتداء بالتسليح وانتهاء بتوفير حياة كريمة لهم مهما كانت ظروف الميزانية ونقص الموارد لأن الأمن اولي بالإنفاق عليه وتوفير مطالبه امام مجالات اخري بلا اهمية أو قيمة تستنزف موارد الدولة كل يوم

وفي هذا السياق لا بد من توفير جميع ضمانات الحماية لجهاز الشرطة لأنه الجهاز الوحيد القادر علي فرض هيبة الدولة.. في احيان كثيرة تحاول ان تبحث عن الدولة المصرية بكل مؤسساتها ولا تجد منها شيئا..


في الشارع الناس يسحلون ويقتلون.. في الميادين اغتصاب النساء والتحرش بهن في مؤسسات الدولة لا احد يعمل.. بين المواطنين يسود منطق الميليشيات كما حدث في المقطم والإتحادية وفي ظل غياب الأمن تغيب الدولة وحين تسقط هيبة الدولة امام مواطنيها لا قيمة لقرار علي الإطلاق..

لا نستطيع ان نفصل بين الإقتصاد والأمن لأن راس المال جبان بطبيعته وهو يستمد الثقة من اجهزة امن تحميه ولهذا فإن سقوط ثنائية المال والأمن يرتبط ارتباطا وثيقا بهيبة الدولة لأنها حين تغيب يكون من الصعب ان تستكمل الحياة دورتها في ظل مجتمع يبحث عن العدالة.. ان رجل الشرطة هو الذي يحمي اموال الناس ويحمي القوانين التي يحرسها القضاء ويطبق العدالة ويؤكد الحريات وإذا اختلت عناصر هذه المنظومة يختل المجتمع في كل ثوابته ومؤسساته.

نأتي الي نقطة خطيرة وربما سبقت في اهميتها جميع العناصر الأخري وهي قضية المصالحة الوطنية.. ان الشئ المؤكد ان انقسام الشعوب وتفككها هو اقرب الطرق الي الإنهيار.. وكانت سياسة الإستعمار الغربي دائما تقوم علي نظرية فرق تسد.. والقرأن الكريم يدعو للاعتصام بحبل الله ونبذ الفرقة بين ابناء المجتمع الواحد.. وإذا اردت ان تقرأ مستقبل شعب من الشعوب والي اين يمضي افتح ملفات التوحد والتوافق فيه.. أو الإنقسام والتشرذم.. وبقدر ما جمعتنا ووحدتنا ثورة يناير بقدر ما تشرذمنا بعد ذلك ووصلت بنا الأحوال الي مانحن فيه ولا شك ان ملف المصالحة الوطنية قد تأخر كثيرا في جدول اعمال الرئيس محمد مرسي رغم ان هذا الملف وجد الحاحا شديدا من جميع التيارات والقوي السياسية لأنه اخطر عناصر ارتباك المشهد السياسي في مصر.


كان البعض يري ان ازمة مصر الطائفية هي المسلمين والأقباط وكان النظام السابق يعبث في هذه المنطقة كثيرا بإحراق كنيسة أو الإعتداء علي عدد من الأشخاص والشئ الغريب ان نجد في سلطة القرار في ظل الإخوان المسلمين من يشعل المزيد من هذه الحرائق.. نحن امام مسلسل من الانقسامات في الشارع المصري منذ تولي الإخوان السلطة.. لم نتوقف عند المسلمين والأقباط ولكننا الأن امام قوي اخري في قائمة التقسيمات.. نحن امام الإخوان والليبراليين وامام دولة مدنية واخري دينية.. وامام تشريعات اسلامية سماوية واخري غربية وضعية وامام الإخوان والسلفيين.. ثم امام الإخوان الوسطيين والأصليين.. وامام اكثر من فصيل سلفي ما بين احزاب متصارعة.. وامام جماعات اسلامية متنوعة.. ثم بعد ذلك نحن امام السلفيين والصوفية.. وعلي الجانب الأخر نحن امام مجموعة احزاب يجمعها كيان واحد سرعان ما تحول الي شظايا امام انقسامات اطاحت بمعظم رموزه.. هذه هي مصر الأن تيارات دينية متصارعة مع بعضها ومختلفة مع تيارات اخري سواء مدنية أو دينية وفي ظل هذه الإنقسامات لا يمكن لنا ان نضع تصورا لمجتمع مستقر آمن يمكن ان يمضي للامام.. ومن هنا فإن تعثر كل برامج المصالحة الوطنية بين المصريين كان خطيئة كبري سوف ندفع لها ثمنا باهظا.. لقد كان الفشل في حل هذه القضية وراء نتائج كثيرة تهدد امن مصر واستقرارها..لا احد الأن يتحدث مع الأخر ولا يوجد فريق يتحاور مع فريق آخر.. والحقيقة ان ذلك كان تأكيدا لفشل الجميع سواء التيارات الدينية أو المدنية..


وإذا استمر وضع المريض علي هذه الحالة ماذا ننتظر بعد ذلك..
موقف اقتصادي علي ابواب كارثة ويحتاج الي معجزة يشارك فيها الجميع حتي لا نجد انفسنا امام تحديات نعجز كشعب عن مواجهتها..
موقف امني اقرب الي الإنفلات والفوضي ومعه تسقط كل يوم هيبة الدولة حتي وصلنا الي البحث عن الميليشيات في ظل ارتباك شديد في منظومة الأمن دورا وآداء وحضورا..


موقف وطني في غاية الخطورة امام انقسامات بين ابناء الشعب الواحد عجزت فيه جميع القوي السياسية عن إيجاد صيغة للحوار والإختلاف بما يدفع بالجميع الي شبح الحرب الأهلية..

هذه الجوانب الثلاثة تندرج تحتها توابع كثيرة علي مستوي الشارع المصري امنا واستقرارا ومعيشة وعملا امام تحديات اكبر من كل التيارات واخطر من قدرة جميع القوي فإما ان ننقذ السفينة أو تغرق بنا جميعا.

نقلاً عن صحيفة "الأهرام".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.