.
.
.
.

جبــــهة الكفــــــاءات

إبراهيم عرفات

نشر في: آخر تحديث:

لا تحتاج مصر إلي جبهة الإنقاذ ولا إلي جبهة الضمير‏.‏ مصر تحتاج إلي جبهة كفاءات‏.‏ فجبهة الإنقاذ المحسوبة علي المعارضة لا تستطيع أن تنقذ نفسها فكيف لها أن تنقذ مصر؟‏.‏

وهي لا تستطيع لأن رؤيتها غائمة ووسائلها في العمل عقيمة وبنيانها التنظيمي مليء بالانقسامات.


وهذه الاعتبارات الثلاثة: ضعف الرؤية والآليات والتنظيم لا تترك للجبهة من الإنقاذ غير الاسم. أما جبهة الضمير فظهرت فجأة وتوارت بسرعة ولم يكن لوجودها أصلا ضرورة لأنها نشأت لتكون لسانا آخر للحكومة وجماعة الإخوان المسلمين. وكلاهما ما شاء الله لسانه طليق, لم يكن أي منهما في حاجة لمتحدث جديد بقدر ما كانا في حاجة إلي فكر جديد وأسلوب عمل مختلف ينهي حالة الهوس السياسي الخطير الذي نعيشه.
مصر تحتاج إلي جبهة كفاءات.

جبهة تضم مصريين يعرفون كيف يعيشون ويعملون مع بعضهم. فيها السلفي ذو اللحية الطويلة والزبيبة الغامقة العريضة الذي لا ينشغل بأمر المرأة التي تجلس إلي جواره لا يقلقه بنطلونها أو شعرها المسدل, وإنما يركز علي ما تطرحه ويقدر ما تقوله ولا يعتني إلا بمساعدتها لكي تنجح وينجح معها من أجل مصر. جبهة فيها كذلك العلماني حليق الذقن الذي قد تفوته الفروض لكن لا يركبه عفريت لو رأي سيدة منقبة أو شيخا معمما يجلس أمامه, بل يدقق فيما يسمعه منهما ويسارع إلي معاونتهما لينجحوا جميعا من أجل مصر. جبهة تضم وجوها جديدة غير تلك التي حرقت نفسها وحرقت أعصابنا خلال العامين الماضيين.

جبهة تضم شخصيات أبعد ما تكون عن صفات السياسيين وأقرب ما تكون إلي مواصفات رجال الدولة. ففي بلدنا الآن كثير من السياسيين وقليل من رجال الدولة.


جبهة الكفاءات يجب أن تنشأ لا لتنافس علي حكم مصر وإنما لتساعد من يحكم مصر سواء الآن أو من سيحل محله بعد ذلك. فالبلد مزقها السياسيون وباتت في أمس الحاجة إلي مساعدة من جبهة عريضة من أصحاب الخبرات في مختلف التخصصات. لكن هؤلاء ليسوا إلي الآن سوي أفراد مبعثرين أو ذرات كل منها يسبح مستقلا عن الآخر وبات يلزم جمعها معا تحت مظلة واحدة أو في جبهة وطنية جامعة. جبهة تضم مجموعة واسعة من المصريين الأكفاء الذين لا يسلط الإعلام الضوء عليهم كما ينبغي والذين لا يدخلون الاعتبارات السياسية في أعمالهم ولهذا ينجحون.


ولو جاز بسبب ضيق المساحة أن أشير إلي مثال واحد لتلك الشخصيات التي يمكن أن تقوم علي عاتقها تلك الجبهة فأشير إلي شخصية التقيت بها قبل أيام للمرة الأولي وإن كنت قد سمعت عنها وعن نجاحات المؤسسة التي تديرها مرات ومرات. إنه الدكتور معز الشهدي رئيس بنك الطعام. تلك المؤسسة التي تكافح الجوع في مصر بطرق مبتكرة نجحت في توفير ملايين من الوجبات الغذائية لمصريين معدمين كل يوم علاوة علي ترقية مليون مصري من الموضوعين علي قائمة البنك إلي مواطنين قادرين علي تغطية احتياجاتهم بأنفسهم. نشاط رائد لم يعتمد علي مساعدة الدولة ولا رهن نفسه لتيار سياسي أو جماعة أو حزب. وقد أهلت النجاحات التي حققتها هذه المؤسسة رئيسها بحسب تقارير جهات دولية رفيعة ليكون من المرشحين لدخول قوائم المنافسة علي جائزة نوبل للسلام بعد عامين من الآن.


مصر ولادة فيها أصحاب كفاءات يتمنون أن يخدموا تراب البلد بدون مقابل. لا يعنيهم غير الارتقاء بالأداء القومي العام. ولهذا لا بد من مبادرة لجمعهم في جبهة للكفاءات. جبهة مفتوحة لكل أهل الجدارة والمعرفة ممن ينحون ميولهم السياسية جانبا ولا ينحازون لغير خدمة الوطن بخبراتهم وعلمهم. ولتكن الخطوة الأولي في هذه المبادرة وضعها في أيدي ثلاثة رجال أثق أن تجاوزهم الخطوط الأيديولوجية وتجنبهم الخوض المباشر في السياسة سيمكنهم من تحديد قائمة أولية بمائة شخصية مصرية يكونون نواة لجبهة الكفاءات.

ولهذا فإني آمل من الدكتور معز الشهدي والدكتور أحمد زويل والدكتور فاروق الباز أن ينظروا في هذا الاقتراح وأن يعطوا للمصريين أملا جديدا ومثالا مختلفا بأن جبهة جديدة يمكن أن تنشأ يكون عطاؤها للوطن ملموسا أكثر من كل الجبهات التي عرفناها. إن مصر تحتاج إلي توظيف مزيد من أصحاب الكفاءات في إدارة الشأن العام بدلا من تركه حكرا لعبث كثرة من المشتغلين بالسياسة.

*نقلاً عن "الأهرام" المصرية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.