.
.
.
.

دفاعا عن كل رئيس‏!

أشرف عبدالمنعم

نشر في: آخر تحديث:

من أعظم المشكلات التي كشفت عنها ثورة‏25‏ يناير ـ في نظري علي الأقل ـ هي مشكلة انعدام القدرة لدي العوام من الناس علي إدراك مفهوم التوصيف الوظيفي للمناصب‏(‏ بالمرة‏);‏ ومن ثم انعدام القدرة‏(‏ تماما‏)‏ علي تحديد المسئوليات بدقة‏.‏

وبالتالي تحديد المسئول; فإذا بالناس متخبطة ما إن تقع الواقعة, ثم إذا بالعقول الحائرة المتعطشة للحقيقة تقفز حينئذ قفزة غوغائية جماعية غريبة نحو رأس أي هرم يقابلونه في طريق غضبتهم بغية الانتقام و إشفاء الغليل!! فحين يتكاثر الناس في هذا الاتجاه, تتصور الجموع( بالإيحاء) أن ذلك بالضرورة هو عين الصواب; ولم لا؟ وقد اجتمعت عليه الحناجر وتآلفت عليه القلوب التي في الصدور؟


أما الحقيقة المرة, فهي أن لكل منصب في العالم, صغر أو كبر, سلطات محددة تقابلها مسئوليات محددة تعطي لمن يشغله الحق في هذا ولا تعطيه الحق في ذاك; وبالتالي فهو مسئول فعليا عن هذا, وغير مسئول( بالمرة) عن ذاك! صحيح أن الجالس علي قمة الهرم, دولة كانت أو وزارة أو شركة أو حتي محل عصير, هو في النهاية مسئول من الناحية الأدبية عن أعمال مرءوسيه, ولكن هذا لا يضعه في محيط مسئوليات مرءوسيه التي يحاسبهم عنها القانون, وإلا لتحول منصب المسئول الكبير إلي جحيم مستمر, بما يتوجب معه منطقيا, ما دام الأمر كذلك, أن يكون مقره الدائم هو( التخشيبة) تحسبا لوقوع المصائب التي ستنسب إليه إن عاجلا أم آجلا من جراء ما اقترفته أيادي هؤلاء المرءوسين!! كلام لا يستقيم قطعا مع أي منطق!


أعطيك مثالا, طائرة تحطمت بركابها جميعا; نحن إذن أمام احتمالات عدة: فإما أن يكون الطيار هو المسئول, أو أن يكون الفني الذي سمح بالإقلاع, أو مراقب برج الإقلاع والهبوط, أو قد تكون الشركة المصنعة لطراز الطائرة; أو قد يكون تغيرا مفاجئا في الطقس قد طرأ... إلي آخره من احتمالات لا تنتهي, تحتاج مع تشعبها إلي لجان فنية وجهات تحقيق متعددة للوقوف علي الأسباب درءا لرمي الناس بالتهم جزافا; ولكن لا تقنعني( أرجوك) بأن المسئول هو رئيس الجمهورية رأسا بأي حال من الأحوال; بحجة أنه هو المسئول الأخير أمام الشعب عن أداء رئيس الوزراء, المسئول بدوره عن أداء وزير الطيران, المسئول عن أداء شركات الطيران, المسئولة عن سلامة رحلات الطيران! فتلك سفسطة ترتدي رداء المنطق عنوة.. ولكنها ــ و للأسف ــ هي عين ما يجري الآن علي أرض( مصر الثورة)!


.. وجبة غذائية فاسدة أدت إلي إصابة طلاب مدينة جامعية بالتسمم, فبدلا من أن ينادي الطلاب بمحاسبة مسئول الأغذية بمدينتهم الجامعية تلك; علي اعتبار أن ذلك يقع في صميم اختصاصات و مسئوليات توصيفه الوظيفي, إذا بالهجوم ينصب علي مشيخة الأزهر بل وعلي شيخ الأزهر شخصيا!! وهنا يبرز السؤال الذي يراودني منذ أن شاهدت هذا الهراء: هل تراه من صميم التوصيف الوظيفي للإمام الأكبر الاضطلاع بعمل الساندوتشات لطلاب جامعته؟ كلام لا يليق!


صحيح أن كثيرا من الناس قد استنكروا هذا التصرف المشين, ولكن هل تراهم استنكروه لاقتناعهم بانتفاء مسئولية شيخ الأزهر عن عمل الساندوتشات فعلا, أم تراه لكونهم ساروا في مسار آخر( غير منطقي أيضا) أرادوا به إلقاء اللوم علي رأس أكبر في الدولة ــ رئيس الجمهورية؟! بحجة أنه رأس( الدولة الإخوانية) التي اتهموها بتدبير الحادث للتخلص من شيخ الأزهر الذي عارض فكرة الصكوك الإسلامية؟
يا سلام! رئيس الجمهورية يتآمر مع جماعة( الإخوان) لتسميم طلاب جامعة( الأزهر) من أجل الإطاحة( بـالإمام الأكبر)!! ما هذه العبقرية الشعبية التي لا تنم سوي عن تأثر رهيب بـ( روايات عبير) أو ربما( ألغاز المغامرين الخمسة) علي أقصي تقدير؟


يتم إجراء التحاليل والفحوصات والتحقيقات, فيتبين في النهاية إصابة هذه الأغذية ببكتريا ضارة, فيهدأ المشهد وتعود الحناجر الشابة العفية إلي المدرجات الدراسية, وكأن شيئا لم يكن!


الذي يحيرني فعلا, فيما يحتاج إلي بحوث خبراء متخصصين, هو ذلك المقياس الجماعي رفيع المعيار الذي تختار علي أساسه الجموع شخصية قمة الهرم التي ستنال النصيب الأكبر من الهجوم في كل مرة, وهو مقياس عشوائي غريب جدا أتحدي أن تفهمه; فأمام تكرار نفس الحادث, قد تجد هذا المقياس الجماعي العبقري يصب جام غضبه تارة صوب مدير الأمن, وتارة صوب ضابط صغير, وتارة صوب وزير الداخلية, وتارة صوب رئيس الوزراء, وتارة صوب مكتب الإرشاد, ثم تارة صوب المرشد منفردا دون سواه, فحين تعييهم الحيل دائما في إثبات البرهان, لا تجد الجموع في الغالب سوي شخص رئيس الجمهورية( كمسئول أوحد لا يرون سواه) في هذه الدولة.. وحينئذ فليكن موعدنا الاتحادية!


أما المهم المؤسف, فهو أن النتائج تثبت في كل مرة خطأ التخمين, ولكن عزيمة محترفي الأزمات و(مقاولي أنفار الاحتجاجات) أبدا لا تلين; فبالأمس مبارك, واليوم مرسي, وغدا..!
أخي.. لقد هرمنا!

*نقلاً عن "الأهرام" المصرية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.