.
.
.
.

"تثوير" الفلول أم "تفليل" الثورة؟

وائل قنديل

نشر في: آخر تحديث:

فى صباح الثانى من يونيو الماضى نطق القاضى أحمد رفعت بالحكم بسجن مبارك والعادلى ورجاله بالسجن المؤبد، وعند الظهيرة كان ميدان التحرير يمتلئ بعشرات الآلاف من حناجر الغضب الرافضة لهذه الأحكام، وفى المساء كانت مليونية ترفع صور الشهداء وتزأر بالهتاف طلبا لقصاص عادل، يبدأ من إزاحة النائب العام السابق الذى سلم القضية لمنصة القضاء مليئة بالثقوب.

وقبيل النطق بالحكم كانت جموع ثورية تحتشد مع أسر الشهداء أمام المحكمة فى مواجهة «أبناء مبارك» تحمل صور الشهداء وتقسم على كتاب الثورة بأنها لن تترك حقهم يضيع، وشتان بين ذلك الموقف، وما تابعناه أمس الأول، حيث سيطر فلول مبارك على المشهد، فى محيط المحكمة وعلى شاشات الفضائيات، وحين جاء قرار المحكمة بإخلاء السبيل للمخلوع تلفتت أسر الشهداء حولها لتجد نفسها فى العراء وحدها، حيث ابتلعت الشقوق الكتلة الثورية المنهمكة فى أمور أخرى أكثر أهمية من حق الشهيد الذى هو الجوهر الأخلاقى والإنسانى لثورة ٢٥ يناير، وبالتالى لم نسمع عن دعوة للتظاهر والاحتجاج على صفعة إخلاء سبيل المبتسم، ولم نر أحدا يتحرك صوب دار القضاء ولو حتى ذرا للرماد فى العيون.

وفى المقابل قرأنا على صفحات التواصل الإلكترونى وسمعنا عن تحرك المتهمين فى موقعة الجمل وقتل الثوار لمقاضاة أهالى الشهداء والضحايا بتهمة البلاغ الكاذب، ولن يكون مفاجئا إذا قرروا ملاحقة الشهداء فى قبورهم بتهمة إزعاج السطات وتشويه الرموز.

ماذا حدث إذن لكى تجد الثورة نفسها فى قفص الاتهام وتصبح مدينة بالاعتذار لمن أمعنوا فى أبنائها القتل والتنكيل؟

لقد روج البعض لوهم تثوير الفلول، بإدماجهم فى الكتلة الثورية، غير أن ما جرى يكشف أن العكس تحقق، وذابت الكتلة الثورية فى محيط الفلول والثورة المضادة، ووجدنا محسوبين على الثورة يتبادلون أنخاب الشماتة والتشفى فيما أصاب الشهداء وأسرهم، ورأيناهم جميعا فى أوركسترا منظمة تعزف لحن احترام القضاء وأحكامه وقراراته ورغباته وإراداته واستقلاله.

وتفوقت ماكينة التدليس على نفسها حين حملت محمد مرسى والنائب العام الجديد المسئولية عن هذا المصير المظلم الذى آلت إليه القضية الأم فى الثورة.

إذن فقد نجح الفلول فى اصطياد الثورة وترويض الكتلة الثورية، من حيث أرادت هذه الكتلة استئناس الفلول ودمجهم فيها، والنتيجة: غاب الثوار وحضر الفلول.. صعدت الثورة المضادة وهبطت الثورة الحقيقية إلى الدرك الذى ألقت فيه صور الشهداء على الأرض، ورفعت صورا لشهداء مزيفين، ومجدت الذين أهدروا حقوقهم باللعب فى الأوراق والأدلة، وصنعت منهم رموزا للاستقلال والنضال.

وما حدث ببساطة أننا أهدرنا حق الشهيد ولوثنا المعنى الأصيل للثورة حين قبلنا أن تُنظر قضية غير عادية لجرائم غير طبيعية فى فترة غير عادية أمام القضاء العادى، قضاء تشكل ونما وترعرع على عين مبارك ونظامه.. ولم نحارب كما يليق بجلال قيمة الاستشهاد من أجل تشكيل محكمة ثورة تعفى الجميع من هذا التيه القانونى المخيف.

وأكرر أننا نظلم الثورة والشهداء والقضاة حين نستسلم لما فرضوه علينا من محاكمات معلوم مسبقا أنها لن تروى ظمأ الثورة لعدالة وقصاص يمنح الناس ثقة فى أن الدماء والتضحيات لن تضيع فى دروب وعرة شقها الأشرار ويريدون حشرنا فيها.

مرة أخرى: الحل فى المادة ١٥٠ من الدستور الجديد، ودون ذلك الجميع متواطئون ضد الشهيد وثورته.

* نقلا عن "الشروق" المصرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.