.
.
.
.

سياسة اللا سياسة‏!

نبيل عبد الفتاح

نشر في: آخر تحديث:

هل هناك سياسة في مصر؟ أين العقل السياسي والاستراتيجي وراء ما جري من قرارات وسلوكيات وصفت ولا تزال من القائمين بها في الحكم بأنها سياسية, ومعهم معارضاتهم علي اختلافها!


هل هناك عقل تشريعي قادر علي وضع فلسفة تشريعية معاصرة قادرة علي وضع القيم والمعايير التشريعية الكونية المقارنة والتوازن بين المصالح السياسية والاجتماعية المتعارضة في المراحل الانتقالية؟.


هل مجموعة الإعلانات الدستورية التي صدرت كانت تعبيرا عن المشروعية في إطار القيم والمعايير المتعارف عليها في النظم الدستورية والسياسية المقارنة؟ وهل كانت تعبيرا عن الشرعية السياسية, أم أنها كانت خروجا سافرا علي المشروعية والشرعية معا؟ إذا تجاوزنا الأهداف السياسية الضيقة وراء إصدار هذه الإعلانات الدستورية, هل يمكن القول أنها كانت تعبر عن غياب العقل التشريعي, الذي يبدع من التصورات التشريعية الخلاقة التي تستند إلي المشروعية, علي نحو لايؤدي إلي انقسامات وانشقاقات داخل التركيبة السياسية الوطنية بمختلف أطيافها؟! هل هذه الإعلانات بوصفها محض تصرفات مادية منعدمة وفق التقاليد والمعايير الدستورية المقارنة والمصرية معا! ساعدت علي بناء التوافقات وتأسيس الإجماع القومي ولو في حدوده الدنيا علي نحو يؤدي إلي الرضا العام ومن ثم توليد شرعية سياسية بناءة وقابلة للتطوير من خلال تحولها من أبعادها الشكلانية الدستورية إلي شرعية سياسية تعتمد علي الإنجاز, والقدرة علي التعامل مع التحديات البنائية الكبري التي تواجه الدولة وسلطاتها ومؤسساتها, والنظامين السياسي والاجتماعي؟!.


هل يقف وراء القرارات بقوانين التي أصدرها المجلس العسكري السابق عقل تشريعي وقانوني خلاق استوعب الخبرات القانونية المصرية بعد ثورة يوليو1952, وكيف تعامل الفقه الدستوري والقانوني مع مرحلة ما بعد سقوط دستور1923 ؟ أيا كان الرأي فيما قاموا به؟ وطبيعة الانتقادات التي وجهت لسياستهم التشريعية عقب الثورة؟ هل تم استيعاب هذه التجربة المهمة؟ هل واضعوالمراسم بقوانين والمصطلح استعير من الأدب الدستوري في ظل الملكية في مصر كانوا علي معرفة واستيعاب لتقاليد النظم القانونية المقارنة في صياغة الهندسة القانونية الانتقالية علي نحو ما تم في النظم التي تحولت من الشمولية والتسلطية إلي ما بعدها, ثم إلي نظم ديمقراطية؟! أم أن غالب هؤلاء قد صدمته العملية الثورية المفاجئة, وتصور إمكانية احتوائها وتصفيتها مقابل بعض التنازلات الجزئية لبعض القوي السياسية المنظمة كالإخوان المسلمين, وإمكانية المناورة معهم بالقوي السلفية ومشايخها؟.


هل صدمة المفاجأة ورحيل الرئيس السابق عن السلطة شكلت حالة كاشفة عن غياب العقل السياسي, والعقل التشريعي في مصر بوصفهما تعبيرين عن عقل الدولة, ورجال الدولة؟ هل صدمة الانتفاضة الثورية المغدورة كشفت عن أن الدولة المصرية تعاني من انكسارات وشروخ وهشاشة في غالب هياكلها وشبكاتها, ولم تكن السلطة الاستبدادية الحاكمة ومعارضاتها وهم جزء لا يتجزأ من النظام التسلطي السابق والمستمر, ومن ثم جزء رئيسامن فلوله تهتم أساسا بمسألة الدولة القومية وضرورات تطويرها, وتجديد بنياتها وأدواتها وسياساتها, بل وثقافة الدولة التي وهنت بفعل التسلطية السياسية للنخبة الحاكمة!.


هل القوانين التي أصدرها مجلس الشعب المنحل, كانت تعبر عن عقل تشريعي أم كان يحكمها عديد المزايدات السياسية والمناورات والسعي إلي تصفية حسابات قديمة؟! وذلك بديلا عن بناء التوافقات بين الفاعلين السياسيين علي اختلاف أطيافهم السياسية والأيديولوجية؟.
هل القوانين كانت انعكاسا لرؤية سياسية واجتماعية وتشريعية رمت إلي بناء التوازنات في المصالح السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتعارضة؟ أم أنها عكست نزعة الغلبة والهيمنة والاستئثار التي عبرت عنها قوي المغالبة؟.


هل ما يجري داخل مجلس الشوري بعد أن أسندت إليه سلطة التشريع يساعد علي بناء الوفاق الوطني أم أنه بحكم تشكيله السياسي والأيديولوجي, ونوعية الخبرات داخله لايسهم في بناء الجسور بين قوي المغالبة السياسية الإسلامية الإخوان والسلفيين وسواهم والموالين للسلطة الحاكمة-, وبين ما يطلق عليهم قوي المعارضة أيا كان وزنها الحقيقي في حركة الشارع المصري ومستوي أدائها؟! هل التسرع في إصدار التشريعات ذات الطبيعة السياسية يكشف عن غياب رؤية سياسية تؤدي إلي محاولة لم الشمل حول خارطة طريق تؤدي للخروج من مأزق المرحلة الانتقالية المتعثرة؟ هل إدارة المفاوضات مع المؤسسات المالية الدولية تكشف عن وجود سياسة استوعبت طبيعة ما حدث في مصر من تغييرات في التركيبة النفسية لغالبية المصريين, لاسيما الأجيال الشابة, وفي تذايد الطلب السياسي علي العدالة الاجتماعية للأغلبية الشعبية؟


هل هناك سياسة خارجية مصرية في المرحلة الانتقالية تحاول تعظيم بعض هوامش المناورة في الإقليم؟ أم أننا إزاء غياب لسياسة خارجية فعالة خارج رحلات السفر, سعيا وراء القروض والمعونات من إقليم النفط؟ هل هناك تأثير للمال النفطي القطري علي عملية إدارة السياسة الخارجية وحركتها الإقليمية؟ هل هناك رؤيا سياسية جامعة تنتظم حولها السياسة الخارجية, والسياسات الاجتماعية والأمنية..إلخ؟ هل هناك مصداقية للخطاب السياسي الرسمي حول قضايا ومشكلات الإقليم وبعض القضايا الدولية الرئيسية التي تمس أوضاعنا المتعثرة ومصالحنا وأوضاعنا الداخلية؟ هل المعارضة الرسمية لديها رؤية سياسية, ومعها بدائل للتعامل مع التركة الثقيلة لنظام مبارك, وللمرحلة الانتقالية المستمرة والمتعثرة ومعها التسلطية السياسية؟ هل هناك سياسة في مصر, أم أننا إزاء بعض من التمرينات المصاحبة لها الأولية التي تعتمد علي التجريب في ظل عدم استيعاب للأخطاء وتراكماتها بما أدي ولا يزال إلي إعادة إنتاج أخطاء سياسية فادحة في إدارة شئون الدولة والبلاد؟!.


لماذا الإصرار علي استمرارية بعض المستشارين الذين ارتكبوا أخطاء فادحة أثرت علي صورة الدولة, وهيبتها, وأساءت إلي مقام الرئاسة في مصر؟ ألا تشكل المشكلات الطائفية المتراكمة والمتزايدة في معدلات احتقانها دعوة لرئيس الجمهورية للأخذ بسياسة الملفات, وإسناد الملف الطائفي إلي شخصية قومية تبحث في جذوره ومستجداته, وتشخص أوضاعه ومآلاته, ثم تحدد خارطة طريق لمعالجات جادة؟ أليس مشروعا وسياسيا إسناد ملف هيكلة الأمن لرجل دولة نزيه وكفء؟ ألا نحتاج إلي رؤية وتصورات عملية للحركة بديلا عن سياسة اللا سياسة؟!.

*نقلاً عن "الأهرام" المصرية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.