.
.
.
.

نفى الوزير

محمد سلماوي

نشر في: آخر تحديث:

تفضل وزير التعليم الدكتور إبراهيم غنيم بالاتصال بى ليؤكد لى أن دروس الموسيقى لم يتم إلغاؤها من مدارس الوزارة، وقال لى إنه عائد لتوه من مدرسة كلية النصر «فيكتوريا» حيث شاهد عرضاً موسيقياً خلاباً يرتقى بالروح - على حد قوله.

وكنت قد نشرت فى هذا المكان، قبل سفرى إلى الأردن لأفتتح أسبوع الأيام الثقافية العمانية بالأردن، أنه قد وصلنى ما يفيد بإلغاء الموسيقى فى المدارس وتمنيت أن ينفى الوزير هذا الخبر الذى قلت إنه إن صح تكون دلالاته خطيرة على مفهوم التربية الذى اتخذت الوزارة اسمها منه لسنوات طوال.

قلت للوزير إن كلية فيكتوريا هى مدرستى التى تربيت بها بالمعادى، وفيها تعلمت البيانو لأول مرة، لكنى سألت الوزير: لماذا لا يتم نفى أى أخبار غير صحيحة أولاً بأول حتى لا يستمر تداولها بين الناس، فقال لى إن حجم الأخبار غير الصحيحة التى تنشر يومياً لا يمكن تخيله، وقال إن التصدى لنفى كل منها سيكون على حساب عمل الوزارة.

وقد وجدت فى رد الوزير ما يعبر عن رؤية حكوماتنا المتعاقبة، من عصر ما قبل الثورة، للإعلام ولعلاقتها به.

ففى الأنظمة غير الديمقراطية الحكومة ليست مطالبة بأن تحيط الإعلام علماً بما تفعل، وهى لا تقوم بذلك إلا حين ترغب فى نشر خبر معين، وفى المقابل يكون الإعلام ملتزماً بنشر ما يصله من كل وزارة وليس ما قد يستقيه من مصادر أخرى، أما فى النظم الديمقراطية فالإعلام حر فى أن ينشر كل ما قد يتوصل إليه من أخبار، لذلك يصبح من الضرورى لكل وزارة أن تكون على علاقة وثيقة بالإعلام كى تمده أولاً بأول بالأخبار الصحيحة، وتنفى صحة الكاذب منها بمجرد صدوره فيتم وأد الإشاعة فى مهدها بدلاً من تركها تنتشر بين الناس فلا يفيد نفيها بعد أن تكون قد استقرت فى ضمائرهم.

وفى الدول الديمقراطية العريقة يكون هناك لقاء يومى بين مسؤول الإعلام بكل وزارة وممثلى والإعلام، حيث نجد المتحدث الإعلامى للبيت الأبيض بواشنطن يعقد مؤتمراً صحفياً يومياً ينقل فيه للإعلام ما قام به الرئيس الأمريكى من أعمال فى ذلك اليوم وما سيتخذه من إجراءات ويجيب عن أسئلتهم، ونفس الشىء فى الوزارات الأخرى.

أما عندنا فرغم تشدقنا بالديمقراطية فمازلنا نتعامل مع الإعلام بالعقلية التى كانت سائدة فى عصور الاستبداد، ولو أن مهمة المسؤول الإعلامى فى كل وزارة كانت عقد لقاء يومى مع ممثلى الصحافة والإعلام لضمنا صحة ما ينشر من أخبار، ولوفرنا على أنفسنا عناء النفى لخبر ذاع صيته وانتشر فى كل مكان، ولما اضطر الوزير للتصدى بنفسه لتصحيح ما ينشر من أخبار، وإن كنت أعتز بالطبع بمكالمة الوزير التى أثلجت صدرى، وصدر الكثيرين غيرى.

نقلا عن صحيفة المصري "اليوم".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.