.
.
.
.

العميقة والدولة الفاشلة

جمال سلطان

نشر في: آخر تحديث:

الأصدقاء الأفاضل الذين أرسلوا لى أمس ـ ردًا على نفى وجود الدولة العميقة ـ يؤكدون أن هناك قوى فى الدولة تعادى المشروع الإسلامى، كلامهم صحيح بالتأكيد، ولكن لا يصح أن نسمى هذه العداءات الجزئية أو الطبيعية بأنها تعبير عن "الدولة العميقة"، وأيضًا لا يصح أن ننشغل بأن كاتب هذه السطور استخدم هذا التعبير فى مقال سابق له وهو يعلق على الموقف من تحقيقات الاتحادية، وقد أشرت إلى أن من "صك" هذا المصطلح فى الحالة المصرية ورط من أتى من بعده فى استخدامه، وكان مجازفة وكسلاً وخطأً لا شك فيه، سواء استخدمته أنا أو غيرى بعد ذلك، ولا يمنعنى ذلك أو يمنع غيرى من تصويب ما جازفنا فيه أو أن نعود إلى حق إذا علمناه، فقد تربينا على أن تلك فضيلة والعناد عندها خطيئة، فقد أخذتنا الحماسة فى الدفاع عن الرئيس والخوف عليه من خصومه إلى أخطاء عديدة هذه أهونها بكثير، والشاهد، أنه لا يمكن إنكار أن هناك خصومات للإسلاميين، فلدينا تيارات ليبرالية ويسارية من الطبيعى أن يكون لها موقف معادٍ لما يطرحه الإسلاميون، كما أن هناك رجال أعمال كانت لهم مصالح فى العهد السابق مرتبطة ببيئة الفساد التى رتعوا فيها، ومن الطبيعى أن يعادوا التحول الجديد الذى يهدد مصالحهم، لكن كل ذلك يأتى فى سياق عفوى مفهوم أو مصلحى بحت فى غالبه، وقد ضربت مثلاً من قبل فى أن ليبراليين ويساريين كبارًا أعلنوا تأييدهم للدكتور مرسى، كما أن رجال الأعمال يمكن أن يتواءموا مع النظام الجديد بسهولة إذا مد لهم الحبال أو قاموا بتسويات مناسبة لهم فى ملفاتهم، ومع الأسف هذا ما يحدث الآن، وبعضهم أصبح الآن من المبشرين بالعهد الجديد وحول حتى أدواته الإعلامية نحو البوصلة الجديدة، ولكن مؤسسات الدولة وسلطاتها لا صلة لها بتلك الفكرة أبدًا، فالدولة الحديثة فى مصر كانت دائمًا دولة وظيفية غير أيديولوجية، بل وألصق بالإسلام دينًا وشريعة وخلقًا وثقافة من أى فكرة أخرى، وفى حالة القضاء مثلاً، دعونا نحتكم للعقل والمنطق، ما الذى يفرق مع القاضى إن كان الرئيس الموجود مبارك أو مرسى؟

هل كان مبارك يرتبط بمصاهرة معهم مثلاً؟ أو كان يخصص لهم هبات خاصة قطعها مرسى؟ أو أن سيادتهم كسلطة شرعية كانت لها وضعية مقدسة فى عهد مبارك؟ لماذا افترضنا بسذاجة أن آلاف القضاة يقاتلون من أجل مبارك وعياله وزوجته وأنهم قضاة الفلول؟ القاضى لا تفرق معه شخصية الرئيس، بل إن المفترض أن القضاة يكونون أكثر ولاءً للمنظومة الجديدة لأنها كانت تحمل التبشير بالديمقراطية الكاملة، بما فيها من تعزيز استقلال القضاء الذى حاربه مبارك كثيرًا وحاول اختراقه مرارًا، وسيادة القانون الذى انتهك على أوسط نطاق فى عصر مبارك وكان محمد مرسى نفسه أحد المتضامنين مع القضاة فى نضالهم ضد مبارك، واعتقل على خلفية إحدى هذه الوقفات، ولكن الذى حدث الآن ـ مع الأسف ـ أنه تشكل رأى عام واسع جدًا بين القضاة يحمل رؤية شديدة السلبية تجاه نظام الرئيس مرسى، لأنه منذ أتى وهو "يخبط" فى القضاء ويحاول أن يلوى ذراعه، ويتخذ من القرارات ما يمثل استفزازًا خطيرًا للقضاة تحت تغطية غارة إعلامية وتهييج مصطنع وغوغائى فى الشارع يصم القضاء بأنه قضاء مبارك وقضاء الفلول، وكلما شعر القضاء بخطر تغول السلطة التنفيذية عليه كلما كان حذرًا أو معارضًا وفاقدًا للثقة فى القيادة السياسية، ومن يرى الجمعيات العمومية لنادى القضاة التى عقدها المستشار الزند خلال الأشهر الماضية والتى بدأت تتقلص حتى وصلت إلى عشرات الحاضرين، ويرى الجمعية العمومية الأخيرة لنادى القضاة والآلاف الذين احتشدوا فيها سيدرك بسهولة أن "الغشومية" التى يدير بها البعض شؤون الدولة الحساسة تجلب لهم العداوات وتعقد مسيرتهم وتحشد قوى الوطن ضدهم بالمجان.

باختصار، نحن الذين صنعنا معظم الأعداء الحاليين للتيار الإسلامى ولنظام الرئيس محمد مرسى، ونحن الذين تجاهلنا أبجديات أخلاقنا الإسلامية، فعاقبنا رب العباد بتركنا لعنادنا وغلظتنا وانتهازيتنا مع الأسف والتى ورثتنا التخبط والتيه السياسى، وما نعانيه الآن ليس خطرًا وهميًا عن "الدولة العميقة" وإنما خطر وصول التيار الإسلامى بمصر إلى "الدولة الفاشلة"، ولن يكون هناك مخرج من هذا النفق المظلم الذى دخلنا فيه بإرادتنا واختياراتنا، إلا بانفتاحنا الحقيقى والأمين والصادق والجاد على كل قوى الوطن، وتقدمنا بوصفنا شركاء فى بناء وطن، وليس مجرد تيار خطف جزءا من السلطة ثم يحاول أن يستبيح به كل شيء فى الدولة والوطن ويقصى ما عداه.

* نقلاً عن "المصريون"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.