.
.
.
.

..ثم يسألونك عن "الخلط"

عمرو خفاجي

نشر في: آخر تحديث:

استبشرنا خيراً بما فعلته الرئاسة بتشكيل هيئة استشارية قانونية، خاصة أن العديد من الأزمات التى واجهتها مؤسسة الرئاسة كانت بسبب إصدار قرارات وتشريعات وقوانين شابها البطلان، مثل إعادة مجلس الشعب والاعلان الدستورى، وقد فجرت هذه القرارات والتشريعات والقوانين الصراع السياسى الدائر حتى هذه اللحظة، ويأتى أيضاً تشكيل هذه الهيئة الاستشارية فى أعقاب الاستقالة المدوية للمستشار القانونى للسيد الرئيس بكل ما حملته من تلميحات وإشارات واضحة بأن المراجعة القانونية غائبة تماماً عند اتخاذ الكثير من القرارات الجمهورية، وكان المستشار المستقيل يبرئ ذمته من كل ما حدث أثناء توليه مهامه القانونية داخل الرئاسة.

لكن تشكيل الهيئة جاء صادمًا وعلى خلاف المتوقع، فمن المفترض أنها هيئة فنية متخصصة، تتمع بحياد كامل غير منقوص، أو وفقاً للتعبير القانونى «لا تقل عن الحياد»، بمعنى أن تكون محايدة بنسبة ١٠٠ ٪، حيث ان الأصل هو الحياد والاستثناء الوحيد للمشرع باعتباره يمثل المجتمع، ووجود حتى ولو شخص واحد يضرب الفكرة فى أصل نشأتها والغرض الفنى البحت لتشكيلها، والذى جاء فى الأساس لتصحيح وضع خاطئ تسبب فى الكثير من المشكلات خلال الفترة الماضية من حكم الرئيس محمد مرسى، والصدمة أن تشكيل الهيئة تضمن كوادر سياسية من فريق واحد هو فريق الموالاة، الحرية والعدالة وأنصاره، بل إن أحدهم يحمل صفة محامى جماعة الاخوان المسلمين، والمدهش أنه صرح بأن الهيئة غير مسيسة ولم يتم تشكيلها بالمحاصصة السياسية، وإنها لا تحمل أى لون سياسى.

ففى اللحظة التى يهجم فيها حزب الحرية والعدالة على القضاء بتظاهرات فجة تعلن عن ضرورة تطهير القضاء، بدعوى أنه قضاء مسيس، ومنتمٍ لافكار وأيديولوجيات وأحزاب سياسية، وفى ذات اللحظة التى يتقدم فيها حزب الوسط بمشروع قانون للسلطة القضائية لتحقيق ذات الهدف وهو تطهير القضاء باعتبار أنه مسيس وحزبى، يتلون تشكيل الهيئة بهذين الحزبين تحديداً، أَفليس هذا تسيساً وتحزباً للقانون وهو الأمر الذى يعترض عليه الحزبان، فكيف يمكن لنا أن نرى فى هذه الهيئة الحياد الذى كنا نرجوه من تشكيلها، خاصة أن كليهما له مواقفه السياسية المعلنة، والتى لا يخفيانها، وطبعاً هذا من حقهما، ولكن بالضرورة بعيداً عن هذه الهيئة الاستشارية الفنية والمعنية بالنصح والإرشاد لأعلى مستوى من مستويات الحكم فى الدولة، طبعاً دون أن ينتقص ما نشير إليه من كفاءة الشخصيات والكوادر التى انضمت للهيئة الاستشارية، خاصة أن أحدهما أستاذ قانون وعالم جليل فى تخصصه، لكن هذا لا ينفى انحيازاته السياسية والتى تؤثر بالضرورة على آرائه، وحتى لو حافظ على حياده فكيف نطلب من المتابعين لأعماله قبول ذلك، فى ظل حالة الاستقطاب الحادة التى تعيشها البلاد؟

أيضا هل يعقل أن تضم الهيئة شخصاً متهماً بإهانة هيئة قضائية، صحيح أنه مازال مجرد متهم، لكن الاتهام فى حد ذاته يكفى لعدم تقبل وجوده فى مثل هذا النوع من الهيئات الاستشارية، وهل ضاقت مصر برجال القانون وخبرائه وأساتذته حتى نلجأ لمن اتهم بإهانة هيئة قضائية، إلى جانب أن نفس هذه الشخصية القانونية، قيادة من قيادات جماعة الإخوان المسلمين صاحبة الانحيازات الواضحة تجاه كافة القضايا السياسية، وهذا أيضاً من حقها، لكن من حقنا كذلك أن نطمئن لان تكون الهيئة التى تعاون رئيس يؤكد أنه رئيس لكل المصريين، أن تكون على الحياد الكامل والتام. كل هذا يحدث ثم يخرج علينا قادة الجماعة وأركان مؤسسة الرئاسة يستنكرون خلط البعض بين الجماعة والرئيس، ويسألوننا عن السر وراء ذلك الخلط.

نقلاً عن صحيفة "الشروق"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.