الجريمة والنميمة
بعد أن كانت مصر المحروسة يضرب بها المثل في الأمن والأمان والتعايش السلمي, انتشرت الجرائم في الفترة الأخيرة في كل ربوعها; مثل انتشار النميمة, حتي أصبح لدينا سلوك إجرامي متزايد لم تشهده البلاد من قبل. واللافت للانتباه, أن جريمة القتل باتت تتصدر كل أنواع الجرائم, تليها السرقة بالإكراه, ثم قطع الطرق, علاوة علي تجدد جريمة الثأر التي كادت تختفي من المجتمع.
ويذكرنا تزايد معدل الجريمة علي نحو لم يكن مألوفا من قبل, واستخدام كل أساليب ترويع الآمنين, بانتشار النميمة التي تمكنت من تدمير أخلاق الكثيرين في كل الأوساط, لدرجة أننا نفاجأ لأول مرة بقيام بلطجية بتثبيت مساعد وزير الداخلية وسرقة سيارته في وضح النهار, دون أن يستطيع مواجهتهم, وكذلك ماجري من قتل الطبيب العالمي سويدان علي أيدي مجرمين عندما حاول منعهما من سرقة منزله!!.
إن الاعتداءات التي تتم هنا وهناك; هي رسالة للحكومة بأن البلطجية والمسجلين خطرا موجودون وقادرون علي ارتكاب أي جريمة, بل أصبحت تدير تلك الجرائم عقول متعلمة ومثقفة.
ومن العجيب أن الناس في الماضي كانوا يهربون من البلطجي باعتباره مرضا معديا, بينما اليوم يفتخر كثير من الأسر بأن لديهم بلطجيا يحميهم أو يأتي لهم بحقوقهم بعد تفشي ظاهرة القتل والسرقة وتراجع الدور الأمني, ليصبح البلطجي هو سيد الموقف!!.
وقد انتشر الإجرام بين كل طبقات المجتمع, وأصبح لدينا مجرمون محترفون كونوا عصابات لتثبيت الناس في الطرق للاستيلاء علي متعلقاتهم, ليعيد إلي الأذهان ما كان يحدث في شيكاغو. لقد تلوثت البيئة المصرية بكثرة الجرائم; مثل تلوث أخلاقنا بالنميمة, وماأدراك ما النميمة التي هي إفساد للأخلاق, وتؤدي إلي تضييق الأرزاق, وزرع أصول العداوة المريقة للدماء, و التفرقة بين الناس, وحض المرء علي القتل.
إن الشعب الذي تستشري فيه الجريمة والنميمة, إنما يتعرض لسخط الله عز وجل الذي حرم النميمة في كل الشرائع السماوية; حيث يقول النبيصلي الله عليه وسلم:ألا أخبركم بخياركم ؟قالوا: بلي يا رسول الله, قال: الذين إذا رءوا ذكر الله تعالي. ثم قال: ألا أخبركم بشراركم؟ المشاءون بالنميمة, المفسدون بين الأحبة,الباغون للبرآء العنت. والنميمة صفة عتاة المشركين أمثال الوليد بن المغيرة.. وكلنا يعرف خطرها, لكننا لانجاهد أنفسنا تجاهها; وبالتالي انتشرت الجريمة بشكل واضح, وأصبحنا لانستطيع مقاومتها.
لقد كانت الجريمة في مصر حتي وقت قريب تقتصر علي جرائم الدرجة الثانية; مثل التهرب الضريبي, أو قوانين النظافة, أو الغش, أو المرور, ثم تطورت إلي جرائم الدرجة الأولي من قتل وسطو واختطاف; وهو ماترتب علي انتشار ظاهرة البلطجة المروعة للآمنين; حيث سجلت الإحصائيات وجود أكثر من ثلاثة ملايين قضية بلطجة في المحاكم, ونحو مليون حكم قضائي للتنفيذ أمام الشرطة.
لقد تزايدت جرائم العنف في مصر; فأصبحنا نحتل المركز الأول علي مستوي العالم; حيث طغي السلوك الإجرامي علي الأفراد, وأصبحت البلطجة هي السمة الرئيسية, خاصة بعد قيام بعض الأحزاب- عقب الثورة- بتخليق خلافات من الفراغ لاتصب في الصالح العام, ووقعت في فخ إنتاج صراعات جديدة; حيث سعي كل تيار إلي إثبات أنه هو الوحيد الذي علي صواب, لدرجة أن المجتمع أوشك أن يتصبغ بصبغة الإجرام, فانتشرت الجريمة كالنميمة.
ولاشك في أنه من الصعب تحديد تكاليف الجريمة بدقة, لكن يمكن القول: إن البلاد تعرضت إلي خسائر ضخمة في الأرواح والأموال, بخلاف ضياع الوقت وانتشار المخدرات بين الشباب. لقد انضم من الشباب الجدد إلي دائرة الإجرام والبلطجة نحو ربع مليون فرد, بالإضافة إلي المجرمين والمسجلين خطر قبل الثورة; وذلك لشراء المخدرات التي أدمنوها; إذ يسرق معظمهم من أجل الإنفاق علي المخدرات وتحقيق المتعة الزائفة; فأصبحت الجريمة مهنة تمتهن. وكان من بين من دخل سوق البلطجة من يحملون شهادات جامعية; حيث بلغت نسبتهم أكثر من5% من البلطجية.. وليست أحداث العنف الأخيرة بالجامعات ببعيدة عن الأذهان!.
لقد أثرت الجريمة علي حياة ونفوس المصريين جراء ما يحدث في الشارع من بيع المخدرات والسلاح علي مرأي ومسمع من الجميع; وذلك لغياب رجل الأمن وعدم تعاونه مع الناس, وتراخي إجراءات الضبط, وعدم تطبيق القانون بحزم, وانتشار السلاح بكثرة, والفراغ النفسي, وعدم ضبط الكثيرين ممن هربوا من السجون, بالإضافة إلي تصارع الأحزاب علي السلطة, وترك الشارع للبلطجية ليمارسوا كل أنواع الإجرام, ومساندة وسائل الإعلام لهم علي حساب أمن المجتمع, وغياب الوازع الديني والقدوة, مع انتشار الفساد والرشوة.
إن تعرض البلاد للأزمات المتلاحقة, وهروب الاستثمارات, وانخفاض حجم الإنتاج.. كل هذا يضر بسمعة مصر ومكانتها, وأصبح الشعب المصري غير آمن علي ممتلكاته, خاصة وأنه ليس صاحب سلوك إجرامي, بل يتسم بسمو الأخلاق والتدين, والحفاظ علي القيم الدينية. ونتساءل: أين علماء الاجتماع الذي يطلقون علي أنفسهم أطباء المجتمع لتفسير مايحدث؟.. وأين أبحاث الأطباء النفسيين علي ماأصاب الشخصية المصرية, وما الذي دفعها لارتكاب مثل هذه الجرائم والتي أبرزها فتاة الكشح التي ساعدت علي قتل أسرتها, والشاب الذي قتل عمته وزوجها وأولادها بسبب حزمة برسيم؟!.
وإذا كانت الحكومة الحالية لم تقم بدورها في حماية أمن المواطن, ومنع الجريمة, وجمع السلاح المنتشر في الشارع, فعليها أن ترحل; لأن المواطن لاتعنيه السياسة أو غيرها, بل يهمه الأمن ورغيف الخبز, وبخلاف ذلك يعد رفاهية. ومهما قمنا بزيارات خارجية, ودعونا العالم كله ومنحناه إغراءات استثمارية, فلن يأتوا إلينا لإقامة مشروعات مالم يكن هناك أمن وأمان.
إن الآمال معقودة علي أن يستيقظ ضمير رجل الأمن, وأن يلتزم رجل العدالة بتطبيق القانون. ومن هنا: لماذا لاتدرس الحكومة تعيين أعداد من خريجي الحقوق, ومنحهم دورات تدريبية مكثفة; لكي يكونوا رجال أمن ينحصر دورهم في الحفاظ علي الأمن في الشوارع والطرق; وذلك لبناء منظومة الأمن علي أساس احترام الناس والضرب علي يد المجرم والبلطجي.. إنه أمر سهل, لكن يحتاج إلي رجال بنائين مشهود لهم بالإخلاص.ولماذا لم تسع الحكومة إلي تغليظ العقوبات علي البلطجية وتعديل أو سن تشريع جديد لتجريم حمل السلاح بدلا من فتح جبهات للصراع حول تعديل قانون السلطة القضائية والذي أولي منه توفير الأمن وسحب السلاح من أيدي الناس.
علي المجتمع بكل فصائله تطويع الكراهية إلي محبة, فالحياة رحلة قصيرة يجب أن نملأها حبا لا كرها, وأملا لاشقاء, والتعايش السلمي هو إكسير الحياة, وبدونه ستتحول الدنيا إلي تقاتل وتناحر ونفقد فيها الدارين. من خلال الوعي المجتمعي, والوازع الديني, وتطبيق القانون, ويقظة رجل الأمن, يمكن القضاء علي الجريمة, ومجاهدة النميمة..والله المستعان.
*نقلاً عن "الأهرام" المسائي