.
.
.
.

الميدان وحكومة الإخوان

أمجد عرار

نشر في: آخر تحديث:

رئيس مجلس الوزراء المصري هشام قنديل فطن أخيراً إلى أن “ميدان التحرير” هو المسبّب لحالة القلق وعدم الاستقرار في مصر . قنديل نوّرنا بكل ما يحمل من زيت ويشع من نور، وأمسك بأصابع المصريين ليضعها على جرحهم العميق، ذلك أن “كيلو متراً واحداً فقط في مصر هو المُسبّب لحالة القلق وعدم الاستقرار، وهو ميدان التحرير”، أما بقية البلد فهو بنظر قنديل مستقر والأوضاع السياحية في جميع المدن تشهد استقراراً في أوضاعها .


ولحفظ خط العودة وتجنّب ردود الفعل العالية والمنخفضة والصامتة تعجّباً، اعترف قنديل بأن الصورة ليست وردية، لكنّه توقع نتائج إيجابية نهاية العام الحالي . لم يوضّح رئيس حكومة الإخوان إن كانت النتائج الإيجابية المتوقّعة معتمدة على معالجة القلق الناجم عن “ميدان التحرير”، بحيث يصار إلى تنظيف الميدان من اسمه ومضمونه ورمزيته، وربما تغيير ملامحه .


إذا كان الشيء بالشيء يذكر، فإن كراهية الإخوان لجمال عبدالناصر تقتضي منهم كراهية الاسم الذي أطلقه الرئيس الراحل على الميدان الذي كان يحمل اسم الخديوي إسماعيل، أو ميدان الإسماعيلية إلى أن تغير اسمه إلى “التحرير” بعد ثورة 23 يوليو .


ميدان التحرير ليس وليد اللحظة الراهنة، ولم يرتبط اسمه بانتفاضة 25 يناير، بل هو الميدان الأبرز في تاريخ مصر والأمة العربية . هو الذي شهد انتفاضات المصريين وثوراتهم وتظاهرات احتجاجهم منذ أنشئ قبل مئة وخمسين عاماً . لذلك نجد العذر لكل سلطة تخشاه، ولكل مسؤول لا يثق بأن الشعب المصري راضٍ عنه . كل سلطة تأتي ستراجع التاريخ، وتعود إلى بدايات الميدان كبؤرة إشعاع ثوري ونبض للحرية منذ ثورة 1919 ومظاهرات 1935 ضد الاحتلال الإنجليزي وثورة الخبز في 18 و19 يناير/كانون الثاني العام ،1977 وانتهاء بثورة 25 يناير العام ،2011 سيكون على أي مرتجف أن يتأمل المفارقات التاريخية للميدان، فعندما أثارت معارضة الشعب المصري للاحتلال البريطاني في مصر احتجاجات ومصادمات، قتلت الشرطة أربعة وعشرين مصرياً في الحادي عشر من فبراير/شباط العام 1946م، وفي مثل اليوم نفسه بعد خمسة وستين عاماً فرضت انتفاضة الميدان، مع عوامل أخرى، على حسني مبارك أن يتنحى .


وعندما أثار الاستياء من حكومة الملك فاروق غضب المصريين، اندلعت احتجاجات عنيفة وكان أن اشتعل حريق القاهرة في 25 يناير/كانون الثاني العام 1952م، وفي مثل اليوم نفسه، بعد مرور تسعة وخمسين عاماً، نزل الشعب المصري إلى الميدان بالملايين دفاعاً عن كرامته واحتجاجاً على الإذلال الذي فرضه النظام على الشعب المصري .


الآن أصبح ميدان التحرير مصدر قلق لرئيس حكومة الإخوان، قبله خطب الرئيس محمد مرسي في التحرير، ثم خرج بعد بضعة أشهر أمام قصر الاتحادية ضد متظاهري “التحرير”، لينصّب نفسه رئيساً لفريق يخاطبه “يا أهلي وعشيرتي” .


هشام قنديل يتناسى أن ميدان التحرير هو الذي أتى به إلى رئاسة الوزراء، بل هو الذي أتى برئيسه الذي وضعه في هذا الموقع . ربما عليه أن ينسى أيضاً أن ميدان التحرير أتى بعصام شرف رئيساً للوزراء ثم سحب الثقة منه . وإذا كان قنديل يبدي هذا القلق من الميدان، فذلك لأنه يعرف أن الميدان قلق من حكومته، ومن يريد أن يعرف نتيجة المواجهة بين ميدان التحرير وأي حكومة، فقط عليه أن يعود إلى التاريخ .

*نقلاً عن "الخليج" الإماراتية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.