حتي لا نصبح دولة فاشلة

نورهان الشيخ
نورهان الشيخ
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

أعادت حادثة اختطاف الجنود المصريين في سيناء نزيف الدم لجرح لم يلتئم بعد منذ مقتل الجنود المصريين الستة عشر دون ثأر لدمائهم الطاهرة يخفف من مرارة الحادث لدي كل مصري مخلص لتراب هذا الوطن‏.‏

وقد أصابت الكثيرين صدمة أكبر وخيبة أمل من أسلوب التعامل مع هذه الأزمة التي تمس ليس فقط أمن وسلامة كل مواطن, وإنما كرامة مصر وهيبتها كدولة. بداية بالإعلان عن تفاوض يجري بين الرئاسة والخاطفين عبر قيادات جماعة الإخوان المسلمين بسيناء. ثم عقد اجتماع المواساة مع مجموعة من السياسيين الذين لا علاقة لهم بالأزمة من قريب أو بعيد للتشاور بشأنها في خطوة أثارت التعجب حول علاقة هؤلاء المجتمعين بالأزمة, ومدي مساهمة اجتماعهم هذا في حلها, وطرحت تساؤلات عدة حول جدية الرئاسة في التعامل مع الأزمة.
في هذا الاطار تبرز مجموعة من الدلالات المهمة التي يتعين الوقوف عليها.


أولاها, أن سياسات الرئاسة هي المسئول الأول عما وصلنا إليه, بدءا بالعفو والإفراج عن عدد كبير من الارهابيين واحتضان الكثيرين منهم, الأمر الذي أظلهم بشرعية سياسية غير مسبوقة. والتساهل غير المبرر أو المفهوم مع حادث اغتيال الجنود المصريين في رفح, وما تضمنه ذلك من رسالة سلبية أطلقت يد الارهابيين في سيناء ليعبثوا بالأمن القومي المصري, وأرواح المصريين علي مرأي ومسمع من الجميع.
ثانيتها, أن مصر أصبحت دولة فاشلة لا تستطيع حماية مواطنيها وتوفير الاحتياجات الأساسية لهم وفي مقدمتها الأمن, بل ووصل الأمر حد العجز عن اتخاذ قرارات سريعة وحاسمة لمواجهة أزمة تهدد أمن المواطن وهيبة وكيان الدولة.


ثالثتها, أن التعامل الأمثل مع الارهاب يقتضي عدم التفاوض مع الارهابيين والرفض التام للجلوس أو التساوم معهم لأن هذا يفتح أبواب جهنم علينا, وسيدفع كل من له مطلب شرعي أو غير شرعي إلي الإعتداء علي سيادة الدولة والمواطنين الآمنين.


إن خبرة الكثير من الدول وخبرة مصر السابقة تشير إلي أن التعامل الناجح مع ملف الارهاب يقتضي العمل في إطار أربعة محاور متوازية, الأول, الضرب بكل قوة علي كل يد ترعب وترهب وتخرب في مصر, فهؤلاء ليسوا مصريين ولا يستحقوا أي رحمة أو شفقة, ولابد من تصفية كل هذه العناصر, وتطهير مصر منها, لأن هذا هو الرادع الأكثر فاعلية لمنع تكرار مثل هذه الأحداث.


ولقد كان هذا هو التوجه الذي حكم التعامل المصري مع الارهاب وأثبت فاعلية في التقليل من الهجمات الارهابية خلال الثمانينيات والتسعينيات, والتي كان من أبرزها واقعة اختطاف منظمة أبو نضال الفلسطينية لطائرة ركاب مصرية في عام1986, وهي ذات المنظمة التي أغتالت الأديب المصري الكبير يوسف السباعي في قبرص عام1978, ومذبحة الأقصر عام1997 التي أسفرت عن مصرع58 سائحا. وربما الأستثناء عن هذا كانت حادثة كنيسة القديسين بالإسكندرية عام2011, والتي كشفت عجز النظام وتراخي التعامل الأمني مع الارهابيين مرتكبي الحادث.
المحور الثاني للتحرك المصري يتضمن تجفيف المنابع البشرية للجماعات الارهابية ووقف ضخ الدماء الجديدة لها من خلال سياسة تعليمية وثقافية تنويرية تنشر مبادئ الاسلام الوسطي السمح في نفوس النشء والشباب وتحول دون وقوعهم في براثن التطرف والارهاب. يكمل هذا سياسات جادة وفعالة لتشغيل الشباب وتوظيف طاقاتهم غير المحدودة في التنمية. فالجهل والفقر والبطالة تخلق بيئة مثلي لنمو وانتعاش التطرف والارهاب.


ويتمثل المحور الثالث في التنسيق والتعاون الإقليمي لوقف الدعم المادي الذي تقدمه بعض الدول لهذه الجماعات, وتشديد الرقابة علي التحويلات البنكية, وتجفيف منابع تمويلها الذاتي علي الأقل في داخل مصر.


أما المحور الرابع فيتمثل في تأمين وتنمية سيناء باعتباره حجر الزاوية في صون الأمن القومي المصري, ولعل طريق حورس وحصن بوتو سيتي وغيرها لدليل مهم علي أن أمن مصر بدأ دوما من تأمين سيناء. كما إن في تنمية سيناء حلا للعديد من المشكلات التي تؤرق مصر, وتهدد استقرارها الاجتماعي والسياسي حيث تذخر أراضي سيناء بثروات هائلة, الأمر الذي يعظم دورها المتوقع والمأمول في النهوض بمصر والاقتصاد المصري. وهي مفتاح مهم للتعامل مع المشكلة السكانية في مصر, فحركة السكان إليها سوف تخفف كثيرا من الكثافة السكانية العالية في الوادي والدلتا والضغط الشديد علي الخدمات بهما. الأمر الذي يفرض ضرورة الإسراع في بلورة رؤية متكاملة أمنية وتنموية تتضافر في تنفيذها الجهود الرسمية والشعبية للحفاظ علي هذا الجزء العزيز جدا من أرض مصر الذي أريقت من أجله دماء ملايين المصريين علي مر العصور.

*نقلاً عن "الأهرام" المصرية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.