الحرب الخاسرة على القضاء

جمال سلطان
جمال سلطان
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

لا أعرف ما هي تلك العبقرية السياسية التي تجعل حزب الحرية والعدالة يوغل في مسألة الحرب على القضاء والإصرار على تهييج الأزمة مع السلطة القضائية، رغم أن منطق الأشياء يقول إنها حرب خاسرة، ولن يتمكن الحزب أو الجماعة في تطويع القضاء أو إذلاله بهذه الصورة، وفي تلك الأوقات تحديدًا، لأن الأعمى يرى أننا في حالة صراع سياسي عنيف وخشن ويتجاوز حدودًا كثيرة، وبالتالي فالانطباع الأول لدى أي مراقب لتلك المعركة أنها تصفية حسابات سياسية، ولا صلة لها بإصلاح أو تطوير في القضاء أو غيره، وهذا الانطباع هو الذي وصل إلى رئيس الاتحاد الدولي للقضاة الذي شارك أول أمس في مؤتمر قضاة مصر، حيث قال إن جهات رسمية ـ لم يسمها ـ اتصلت به وحذرته من المجيء إلى مصر الآن، وقالت له إن الأزمة هي مع قضاة فاسدين وأنهم سيطهرون مصر منهم، إلا أن هذا الكلام جعل الرجل يصر على أن يأتي ويشارك في المؤتمر، حسب قوله وتصريحاته الصحفية أمس، أي مراقب للأحداث في مصر أو خارجها لا يحتاج إلى عبقرية خاصة لكي يدرك أن ما يحدث هو صراع سياسي، وكل الادعاءات عن التطهير والفساد هي قنابل دخان للتغطية على جوهر المعركة، وبالتالي فهي معركة خاسرة، وبعيدًا عن المزايدات، فإن إخراج المعركة إلى المستوى الدولي سيضر ضررًا فادحًا بسمعة الرئيس محمد مرسي، كأول حاكم دولة يأتي من التيار الإسلامي، لأن الجميع يراقب الآن كيف يحترم الإسلاميون الديمقراطية وكيف يديرون دولهم التي يحكمونها بالعدل والشفافية، وقد أدرك الدكتور مرسي هذه الأزمة سريعًا، فبعث برسائل طمأنة للقضاة، وأكد أن أحدًا لن يمكنه أن يملي عليهم قانونًا لا يوافقون عليه، ودعاهم للإعلان عن مؤتمر للعدالة، وفتح لهم القصر الجمهوري لكي يعقدوا اجتماعاتهم فيه، وقال إنه سيحضر بنفسه افتتاح مؤتمرهم، ونشطت الجماعة القضائية على ضوء ذلك في الإعداد للمؤتمر وشارك بقوة مجلس القضاء الأعلى، واضطرب المستشار الزند وبدا أنه كاره لهذا التطور، وبدت الأمور في اتجاهها للحل وإعادة بناء الثقة في القيادة السياسية واحترامها لسلطة القضاء، فجأة، فجر بعض الأشاوس في مجلس الشورى قنبلة إعادة فتح النقاش حول قانون السلطة القضائية، فشعر القضاة أن الرئيس يلعب بهم، وأن جماعته تضمر شرًا للقضاء والقضاة، فقرر المجلس الأعلى للقضاء تعليق أعمال مؤتمر العدالة، ونفذ المستشار الزند ـ الذي جاءته على الطبطاب ـ تهديده بتدويل معركة القضاء مع الإخوان، وبدأت الأمور تفلت من عقالها، وتساءل الجميع: هل الجماعة حركت مجلس الشورى من أجل إحراج الرئيس وإشعاره أن المعركة ليست معركته وأنهم هم أصحاب القرار فيها وليس هو، لأن الرئيس بدا هنا في موقف لا يحسد عليه، أم أن الرئيس مشارك في تلك اللعبة وكان يعرف تطور فصولها مسبقًا - وهو ما أستبعده تمامًا-؟ المهم أن ما حدث كشف عن حجم ومستوى الفوضى التي تدار بها شؤون الدولة.


سوء إدارة الإخوان للمعركة مع السلطة القضائية جعلهم يخسرونها من قبل أن تبدأ، ولن يستطيع الإخوان أن يكسروا السلطة القضائية، كما لن يستطيعوا أن يمرروا قانون السلطة القضائية الذي اخترعوه، ولو حاولوا تمريره فالقضاء يملك أدوات الردع "الشرعية" التي تلقف ما يأفكون، وأتمنى أن يكون هناك عقلاء قريبون من الجماعة وقيادتها تنبههم إلى أنهم بهذا يضرون الرئيس مرسي ضررًا بالغًا، ويمنحون خصومه فوزًا مجانيًا في نقاط حساسة، ويعززون من حالة الفوضى والارتباك في البلد المرتبك أساسًا والذي يبحث عن الاستقرار والسلام الاجتماعي لكي ينهض، وأن الأولى لهم عدم العجلة المشبوهة وانتظار المجلس التشريعي الحقيقي الذي يختاره الشعب المصري في البرلمان المقبل، وأنه لا يشفع لهم "التهجيص" بالحديث عن سلطة تشريعية ممنوحة لمجلس الشورى، وهم يعرفون أنه استثنائي في تشكيله وفي بقائه وفي شرعيته وفي صلاحياته، وقد علمتنا التجارب أن أسوأ ما أهان مصر والمصريين وجلد ظهورهم وفرغ مؤسساتهم من مضمونها ودمر أحلام الديمقراطية هي القوانين الاستثنائية والإجراءات الاستثنائية والمؤسسات الاستثنائية، فيا أهل العقول، أفيقوا يرحكم الله.

*نقلاً عن "المصريون"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.