المعارضون الجدد
لأن بحر الثورة المصرية لم يصل الي غايته النهائية, وهي مصب تحقيق الاهداف التي من اجلها قامت والشعارات التي شكلت ميثاق شرفها وميثاق عزتها وهي عيش/ حرية/ كرامة اجتماعية, لان الأمر كذلك بتنا نتابع موجات متتاليات من الثوار ومن المعارضة.
لو عدنا بالذاكرة الي ايام25 يناير وما بعدها كنا امام ظاهرة ائتلافات شباب الثورة التي قامت في البداية علي مجموعة اسماء ظهرت في الميدان, وأتذكر اننا في العربية رصدنا هذه الاسماء وقدمناها في تقارير وثائقية مطولة للمشاهد, وادعي اننا كنا اول من حول هذه المجموعة الجميلة الي كيان من لحم ودم.
هذه المجموعة تكاثرت في شكل ائتلافات ثورة وصلت الي اكثر من مائة ائتلاف ثم تلاشت وذاب كثير من هؤلاء الشباب في كيانات العواجيز من المعارضة, ومنهم من نجح في البرلمان لكنهم لم يضيفوا لاسباب كثيرة تتعلق بمن يحكمون مصر الآن.
في نفس التوقيت كانت المعارضة التقليدية او معارضة العواجيز ــ كما احب ان اطلق عليها ــ تترنح في المواقف غير قادرة علي التوحد في كيان او تحديد جملة من الغايات والاهداف فتجلي مثلا انقسامها في الجمعية التاسيسية1 و2 وهناك من اشترك وهناك من قاطع وراحوا يكيلون الاتهامات لبعضهم بعضا.
لم يستمر الامر طويلا حتي تشكلت جبهة الإنقاذ واعلن كبارها في مؤتمر صحفي بداية التأسيس وقتها رأي كثيرون انها خطوة حقيقية مؤسساتية تجمع كل من ينتمي لفصيل المعارضة وظهر موقفها من التأسيسية مهما ومتزنا, وهكذا كان موقفها من الاعلان الدستوري المفرق22 نوفمبر, ثم حين عرض أمر الدستور علي الاستفتاء بدت إرهاصة الانقسام, فمرة يقولون سنشارك في الاستفتاء ومرة اخري لن نشارك وجاءت النتيجة في غير صالحهم فلم يعلنوا عن خطط واضحة في التعامل مع امر الدستور, بل وجدنا من كانوا يرفعون سيوف الخلاف من اجله يرضخون له في مواضع كثيرة, وهكذا اذا ما استثنينا موقفهم الرافض للجلوس والحوار مع الرئيس.
اقول انتهي امر جبهة الانقاذ ولمسنا ذلك حين هتف شباب الثورة ضدها في الميادين, واذكر ان أحمد دومة في لقاء معي علي الهواء طالب بموتها لانها لاتمثلهم وإنما تمثل قادتها الاربعة.
العيوب التي سقطت فيها هذه الجبهة هي نفس عيوب المعارضة التي خلقها نظام مبارك عملا بقاعدة كل نظام يخلق معارضته, هذه العيوب هي البعد عن الشارع, عدم الالتحام الحقيقي بقاعدة الجماهير في ربوع مصر, اقتصار تحركهم في العاصمة, فظهرت امامنا معارضة العاصمة مثل تاكسي العاصمة بالضبط, تاكسي يتوه وسط ضجيج الميكروباصات والتكاتك والتاكسي الاسود وحراك العشوائيات والغلابة. اضف الي ذلك, وهنا استعير مصطلح صديقي عمر حمزاوي حين وصفهم بانهم قصروا معارضتهم علي شاشات الفضائيات وعبر المؤتمرات, اضف الي ذلك اننا بتنا نتابع اخبار رموز هذه الجبهة فقط عبر تغريدة حائرة علي تويتر او رسالة فيسبوكية وهذا يؤكد انهم وضعوا انفسهم في ابراج عالية او بعيدة عن الحراك الحقيقي لجمهور الشارع بكل تنويعاته, فلا اتصور أن تغريدات الدكتور البرادعي سيقرأها سكان نزلة السمان او الغلابة في الحارات المصرية او سكان مقابر الغفير, وكأنه ومعه رموز هذه الجبهة معنيون بشريحة الخمسة نجوم في مصر, وحتي هذه الشريحة أو غيرها لن يقبلوا رمزا سياسيا يمارس معارضته عبر تويتر. وأمام هذه الشيخوخة والاحتضار المبكر لجبهة أرادت ان تكون إنقاذا بدأنا نرصد موجات جديدة من التي يمكن ان نطلق عليهم المعارضون الجدد.
إنهم حراك تلقائي من الشارع ومن جميع فئات الشعب وعبر جميع محافظاته, هذا الحراك شعاره الكفر بالمعارضة القديمة العجوزة والكفر ايضا بالنظام الحالي ورفع شعار اسقاطه بطرق تختلف عن طرق معارضة العواجيز. وعلي رأس هؤلاء المعارضين الجدد حركة تمرد, مجموعة من شباب الثورة, جيل جديد لم نكن نعرف ايا منهم, اسماء تطرح نفسها علي الساحة لاول مرة, ليسوا منتمين لاحد حتي ولو كان لبعضهم تجارب سابقة في كفاية أو6 أبريل.
هؤلاء المعارضون الجدد حين راحوا يشتغلون لم يسقطوا في حفرة واحدة من التي سقطت فيها معارضة جبهة الانقاذ, لم يعقدوا مؤتمرات لتصورها القنوات الفضائية ويهتفوا بعدم الشرعية ويدخلون في وصلة تنظير سياسي ليس مكانه وليس أوانه, هؤلاء نزلوا الي الشوارع, إلي جميع المحافظات يحملون وثيقة مكتوبا عليها سحب الثقة من الرئيس, هؤلاء نزلوا الي عوام الناس وبسطائه الفاقدين للثقة في نظامه وفي معارضته, فوجد فيهم ذلك الشارع ملاذا ومخرجا للتغيير, من انتخب الرئيس مرسي قال سأكفر عن ذنب خياري له, ومن لم ينتخبه قال سأكمل رفضي, والغلابة الذين ازداد جوعهم وضيقهم وفقرهم قالوا نريد نظاما آخر. علينا أن نتابع موجات المعارضة الجديدة متابعة الراصد للحراك الزمني والسياسي وليست متابعة المتصيد أو المتحيز لأننا إن وقعنا في شراك الرصد الموجه فستضيع منا لحظة ميلاد جيل جديد يتعمد أن يكون له شكله وطريقته.
*نقلاً عن "الأهرام" المصرية