.
.
.
.

تحضير روح عبدالناصر والسادات

كرم جبر

نشر في: آخر تحديث:

مصر تغيرت والعالم يتغير حولنا، ولا يمكن تحضير روح عبدالناصر والسادات لمواجهة إثيوبيا فى أزمة سد النهضة، فنقول إن عبدالناصر هدد والسادات توعد، فخافت إثيوبيا وتراجعت عن مشروعاتها على النهر، فلا تهديد ولا وعيد يجدى الآن، وانتهى زمن التهويش بالقوة والمغامرات العسكرية غير المحسوبة، وحتى التلويح بتفجير السد، فمجرد خيال يجعلنا نصطدم مبكراً بدول أجنبية وشركات متعددة الجنسيات وأنظمة قررت أن تستثمر المليارات فى بناء السد، ومصر نفسها لا يمكن أن تقوم بمثل هذا العمل وتؤلب عليها العالم، المواجهة تبدأ من مصر بلم الشمل وتوحيد كل المصريين ونبذ الخلافات والتشرذم والارتفاع فوق الصغائر، ليشعر الجميع أننا أمام خطر داهم للدفاع عن حقنا وحق الأجيال القادمة فى الحياة، وهى قضية وجود ومصير وتعلو فوق الخلافات السياسية والحزبية واللعب على مشاعر الجماهير، وعندما تشعر إثيوبيا ومن وراءها أنها تواجه دولة قوية وشعبا على قلب رجل واحد، ستفكر ألف مرة قبل أن تخدع وتناور وتضرب بحقوق مصر عرض الحائط، غير مبالية بأوراق قوة خشنة وناعمة قادرة على الردع، ولكنها للأسف استغلت حالة التناحر والتشرذم فى المشهد السياسى المصرى، فأقدمت على مشروع كانت تفكر فيه سنوات ولم تجرؤ على تنفيذه.

لا ينبعى أن نستحضر تجارب الماضى ومواقف عبدالناصر والسادات أو حتى مبارك، فلكل منهم عصر غير العصر وزمن غير الزمن، ولكن الشىء المهم الذى يجب تعظيمه هو قوة الجبهة الداخلية التى مكنتهم من استخدام ما فى أيديهم من أوراق قوة، فعبدالناصر كانت له ذراع طويلة فى إفريقيا، وكان مفجر الثورات وملهم الشعوب التى تحلم بالاستقلال، وكان مسنوداً على القطب الآخر ومجموعة عدم الانحياز، والسادات حقق لأمريكا وإسرائيل حلم السلام، ولم يكن من مصلحتها معاداته وإغضابه، وكان قويا فى الرفض حين طلبت إسرائيل الحصول على حصة من مياه النيل. الآن إسرائيل تلعب وتتآمر وتحرض، وعندما زار الوقح ليبرمان إثيوبيا منذ خمس سنوات، قال لهم محرضا إن مصر تحصل على أكثر من احتياجاتها من مياه النيل وتترك المياه تُهدر فى البحر، ثم أعقب ذلك بتصريحه الإجرامى بضرب السد العالى، وكانت رسالة للإثيوبيين بأن إسرائيل تدعمكم وتؤيدكم وتقف خلفكم، ثم ظهرت إسرائيل على المسرح فى الأيام الأخيرة، بدعوة لمواطنيها وشركاتها بالمساهمة فى تمويل سد النهضة، عن طريق «سندات دين» ووعدتهم بأن تقوق أرباحها ما تقدمه البنوك بكثير، وعادت أحلام إسرائيل فى الحصول على حصة من مياه النيل، لمواجهة العجز الرهيب فى مواردها المائية الذى سيتفاقم بعد خمس سنوات، حيث يتوقع الخبراء أن تصبح دولة بلا مياه، ولن ينفعها ما تسرقه من مياه من نهر الأردن وجنوب لبنان. ولا ننسى أيضا أن وزير الخارجية الأمريكى جون كيرى كان فى إثيوبيا لحضور اجتماعات الاتحاد الأفريقى، ولا يمكن استبعاد حصول إثيوبيا على ضوء أخضر أمريكى للمضى فى مشروعها، ولتوفر لنفسها مظلة دولية لجذب الاستثمارات الباهظة لتمويل بناء السد، وربما الإيحاء بالحصول على موافقة مصر، حيث تواجد الرئيس مرسى فى أديس أبابا فى نفس التوقيت، وتقديم ضمانات خطابية لا تقدم ولا تؤخر حول عدم الإضرار بحصة مصر، وهى مجرد وعود تبخرت بتعنت الجانب الإثيوبى فى تقديم أية دراسات حول الآثار الجانبية لسد النهضة على مصر والسودان، ملخص الأزمة هو أن إثيوبيا استثمرت الارتباك المسيطر على الساحة المصرية وضربت ضربتها، دون مراعاه للحقوق التاريخية والمعاهدات الدولية والقوانين والأعراف، ولن تتراجع إلا إذا أدركت أنها أمام دولة قوية صلبة لا تتهاون فى حقوقها ولا تفرط فيها، ولديها الإرادة والعزم والإصرار على المضى فى طريق المواجهة حتى نهايته، أما أن يتربص المصريون ببعضهم بحثاً عن المزايدات الانتهازية والمواقف العنترية والبحث عن الأدوار واستدعاء قصص البطولة بأثر رجعى.. فهذا فى صالح إثيوبيا التى وجدت من بعض المصريين من يدافع عن موقفها أكثر من الإثيوبيين أنفسهم.

نقلاً عن صحيفة "اليوم السابع"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.