.
.
.
.

شرعية الدماء

عمرو خفاجي

نشر في: آخر تحديث:

لا أعرف من أين أتى المصريون بحوارات الدم هذه التى باتت منتشرة وسهلة على معظم الألسنة، لا أعرف من أين جاءوا بهذه المشاعر التى تستقبل أعداد ضحايا الاشتباكات كمدخلات فى تصريحاتهم السياسية، ولا أعرف كيف يتحدث البعض عن مستقبل واعد ونحن نملك كل هذا الترحيب بالدم والحديث الدائم عنه، بما فى ذلك السيد رئيس الجمهورية المسئول عن كل شىء فى هذا البلد وفى مقدمتها الحفاظ على أرواح المواطنين.

ذهب مبارك من قصره للسجن، لا للفساد ولا للاستبداد، بل ذهب لمسئوليته عن الدم الذى أريق فى يناير ٢٠١١، ومازال قيد المحاكمة بتهمة قتل المتظاهرين السلميين، فكيف يتكرر هذا الأمر الآن بهذه السهولة والتهمة ماثلة أمام الجميع، كيف لا يفهم الرئيس أنه المسئول عن ذلك سواء كان الضحايا من المؤيدين أو المعارضين، فكلهم مصريون وكلهم مسئولون عنه، أىا كان المتهم، كيف لا يفهم الرئيس أنه جاء، كما قال للقصاص لدماء الشهداء، فلم نر قصاصا بل رأينا مزيدا من الشهداء، والمشكلة أن هذه الدماء جاءت برعايته وبتحريض من جماعته وأنصاره، الذين لا يتوقفون عن حديث الدم وبعضهم ضالع فى دماء كثيرة وغزيرة فى سجله السياسى، وكل مافعله الرئيس وجماعته التحالف معهم واستقبالهم فى قصور الرئاسة.

لا أعرف كيف جلس رئيس مصر، فى مؤتمر وأنصاره يهددون الشعب ويروعونهم، ولا يحرك ساكنا ولا يصدر بيانا لشجب ذلك، لا أعرف كيف يقود الحزب الحاكم تظاهرات واعتصامات تهدد الشعب بالقتل والسحل والسحق، ثم يتحدثون جميعا عن الشرعية، فهل نحن فى زمن شرعية الدماء، هل السلطة تستحق أن ترتوى بدماء المصريين، وهل الحكم لا يمانع بالترحيب بها للحفاظ على مقعد من المفترض أن صاحبه فى خدمة الشعب؟

كانت عبقرية ثورة يناير فى سلميتها، وانتصرت لهذا السبب، وحاكمت من حاكمت أيضا لهذا السبب، لكن ما بعدها كان مشبعا بالدماء وبحديث الدماء، فى الاستفتاءات والانتخابات لم يتوقف التلويح بالدماء، والدماء سالت فى ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء، ولم تتحرك الجماعة لمنع ذلك أو حتى استنكاره، وحتى حينما حاول المجلس العسكرى اختيار رئيس وزراء لا يرغبون فيه، قالوا الدماء حاضرة، وقبل إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية ألمحوا لو أن مرسى لم يفز ستكون هناك بحور دماء، ثم صنعوا الدماء بأيديهم عند قصر الاتحادية دفاعا عن شرعية الرئيس كما قالوا، ثم انطلقوا بعدها مع أنصارهم فى حديث دائم لا يتوقف عن الدماء، وحتى جاء خطاب الرئيس الأخير، أمس الأول، ليعلن لنا أن شرعيته إما أن تستمر وإما الدماء، وهو لا يختلف عما يقوله أنصاره أن دماءهم ورقابهم فداء للشرعية، فهل قامت فى مصر ثورة سلمية لتأسيس شرعية دماء؟ أيا كان اتجاه هذه الشرعية؟

البيانات الحزينة والعاطفية التى تشجب كل ذلك، لا يمكن لها أن تزيل ما حدث ولا تساوى قيمة الأرواح التى أزهقت، ولا مسئول أول عنها سوى الرئيس، لأنه هو الرئيس، لأن المسئولية دائما بحجم السلطة،.. العزاء واجب والشجب واجب، لكن الجريمة وقعت والمستقبل أظلم، ولا نملك سوى الترحم على مزيد من الشهداء، والتوجه بالدعاء إلى الله سبحانه وتعالى ليخرجنا مما نحن فيه بعد أن صارت الدماء مستباحة بحكم السياسة.

*نقلا عن "الشروق" المصرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.