من عرابي إلي السيسي‏!

عبد المحسن سلامة
عبد المحسن سلامة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

لقد خلقنا الله أحرارا‏,‏ ولم يخلقنا تراثا أو عقارا‏,‏ فو الله الذي لا إله إلا هو لا نورث ولا نستعبد بعد اليوم‏..‏ تلك هي المقولة التي فجرت أول ثورة مصرية في التاريخ الحديث حينما ألقاها وزير الحربية آنذاك الفلاح المصري الأصيل أحمد عرابي في وجه الخديو توفيق رافضا طرد الضباط المصريين من الجيش المصري ومصرا علي عدالة مطالبه رغم كل الضغوط التي تعرض لها‏,.

وبعد ما يقرب من231 عاما يتكرر نفس المشهد من جديد,وإن تغيرت الظروف والأشخاص والمسرح, حيث انفجرت الأوضاع في مصر في مشهد غير مسبوق وخرجت جموع الشعب من كل الأطياف, ومن كل الفئات والأعمار, ومن المدن والقري رافضة نظام الحكم بعد أن وصلت الأمور إلي طريق مسدود بدأت بالإعلان الدستوري المشئوم الذي أشعل الدنيا وقلبها رأسا علي عقب, ثم جاءت طريقة إعداد الدستور والانشقاق الذي أصاب الجمعية التأسيسية وانسحاب التيارات المدنية منها, ثم كانت الحكومة هي القشة التي قصمت ظهر البعير, والمثير أن تلك الحكومة ترفضها كل الأطراف بما فيها تيارات الإسلام السياسي, ورغم ذلك كان الاصرار والعناد علي التمسك برئيس الحكومة د. هشام قنديل, وقد تم طرح أكثر من بديل توافقي إلا أن كل الحوارات كانت تصل في كل مرة إلي لا شيء, وهكذا تصاعدت الأمور حتي أضطر الجيش إلي التدخل لأول مرة لدعوة كل الأطراف إلي الحوار في يناير الماضي, ورحبت كل الأحزاب وبعد أن تحدد موعد اللقاء تدخلت الرئاسة لتلغيه في موقف غير مفهوم وغير مبرر.

هكذا كانت تدار الأمور في مصر طوال العام الماضي.. لا شيء إلا المكابرة والعناد والتكويش واختفت معايير الكفاءة لتظهر معايير جديدة قائمة علي الولاء والسمع والطاعة, وللأسف تحولت السياسة إلي عداء وكراهية وشحن وبغضاء.

لم يفطن الرئيس السابق مرسي إلي انفضاض المستشارين والمساعدين والوزراء من حوله, وبدلا من أن يراجع نفسه ويقف لمعرفة أسباب كل هذه الاستقالات من أقرب المقربين اليه كان يلجأ إلي التفسير التآمري للأحداث لانه التفسير الأسهل دائما رغم ثبوت فشله في كل العصور والأزمان.

لم يكن من المعقول أو المقبول ان يقف الجيش صامتا أمام تلك الجموع الهادرة التي خرجت تطالب برحيل النظام وإقامة دولة ديمقراطية عصرية حديثة لكل أبناء الوطن دون تفرقة أو اقصاء أو تخوين أو تهميش, فالكفاءة والكفاءة وحدها لابد أن تكون هي المعيار في شغل الوظائف والمواقع القيادية بعيدا عن الشللية والمحسوبية والولاء, ولأن المظاهرات كانت غير مسبوقة انحاز الجيش كعادته إلي المواطنين, وأعاد السيسي الذي أشاع البعض أنه اخواني من قبل إلي الأذهان صورة أحمد عرابي من جديد وهو يحمل مطالب الأمة إلي الرئيس السابق مرسي مطالبا إياه بالاستجابة لمطالب الشعب وطموحاته المشروعة إلا أن الاصرار علي المواقف المتشددة وعدم تقديم التنازلات التي يتمناها الشعب جعل الجيش يلجأ إلي الجراحة,.

وهي دائما الحل الأصعب في العلاج واضطر بعد انتهاء المهلة الثانية إلي الحسم وإلا كانت البلاد معرضة للشلل والدمار أكثر مما هي عليه حاليا. الآن لابد من معالجة الأخطاء السابقة وإلا فإننا سندور في حلقة مفرغة وجهنمية لن ينتج عنها سوي المزيد من الانهيار وأعتقد ان خريطة الطريق التي أعلنها الفريق السيسي لابد من انجازها بأقصي سرعة ممكنة في فترة لا يجب ان تتجاوز ستة أشهر علي أقصي تقدير, ليكون لدي مصر دستور ورئيس جديد وبرلمان, وخلال تلك الفترة الانتقالية يجب أن يكون التركيز علي الأمن والاقتصاد فقط والكف عن الإسهال التشريعي أو الاعلانات الدستورية وعدم الوقوع في فخ الاجراءات الاستثنائية, أو اللجوء إلي الاقصاء والتهميش لأي تيار بما فيها تيارات الإسلام السياسي والانتباه جيدا إلي كل الراغبين والمشتاقين لحصد المكاسب الشخصية تحت المسميات المختلفة ومن خلال الشللية والضغوط والصوت العالي والابتزاز وكل المفردات التي بات الشارع يلفظها وقامت الثورة من أجلها.

الشارع ينتظر العدل والعدالة والمساواة وان تكون المواطنة والكفاءة هما المعيار في كل المجالات بعيدا عن الاقصاء والتخوين والتهميش والتكويش وكفي ما كان!

نقلاً عن جريدة "الأهرام".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.