.
.
.
.

مفاصل دولة وأعصاب شعب

مصطفى الفقي

نشر في: آخر تحديث:

يعز علي كمصري أن تؤول الحالة النفسية لهذا الشعب العريق وتصل إلى هذه الدرجة من القلق والترقب وسط كم هائل من التوقعات السيئة والشائعات المغرضة والاحتمالات السلبية . ولا يخلو فصيل سياسي واحد من ذلك، فالكل شركاء في محنة وطن، وأصبحنا نواجه مخاضاً عسيراً بعد فترة تحوّل مضطربة، وأضحى من المتعين علينا جميعاً بغير استثناء أن نسعى إلى إنقاذ سفينة الوطن وانتشال شبابه من دائرة الصراع الذي يمكن أن يكون عنيفاً والصدام الذي قد يصبح دامياً والحياة السياسية التي قد تتحول إلى فوضى تشد الوطن إلى أسفل وتهوي به إلى قاع التخلف السياسي والثقافي والاجتماعي، ودعنا في هذه الظروف العصيبة نضع خطوطاً عريضة نتفق عليها:

* أولاً: إن الوطن المصري ملك لكل أبنائه وبناته بغير استثناء لا يستأثر به فصيل واحد ولا يقدر على ذلك حزب سياسي منفرد أو جماعة من دون غيرها، فمصر وطنٌ من الوزن الثقيل ثقافياً وحضارياً،كما أنه متميز جغرافياً وسكانياً ومن المستحيل التفكير فيه إيجابياً في إطار التفرقة أو التمييز، واضعين في الاعتبار أن الشرعية المستمدة من صندوق الانتخاب يجب أن تستوعب جميع الانتقادات الموجهة إليها والتحولات التي طرأت على شعبيتها مع البحث عن توافق عام لا يستبعد ولا يقصي ولا يعزل .

* ثانياً: إن الاقتصاد عصب الحياة وعندما تتدنى الخدمات وندخل في أزمة طاقة يختفي فيها “السولار” ويقل “البنزين” ويشح “الغاز” وتنقطع “الكهرباء”، فإن علينا أن نتوقع أن يخرج الناس محتجين وأن تدخل الدولة في دوامة عنف يجب أن تنأى بعيداً عنها . وعندما يتراجع سعر العملة الوطنية أمام العملة الأجنبية العالمية وهي “الدولار”، فإن علينا أن نقلق، فالنظام النقدي هو المرآة التي تعكس حيوية النظام الاقتصادي وكفاءته، فالشعوب لا تقتات شعارات ولا تأكل تصريحات وإنما هي تفكر في المسكن والملبس والمأكل مهما كانت قناعاتها السياسية ودوافعها الوطنية . والاقتصاد المصري يمر بظروف صعبة حيث تآكل الاحتياطي النقدي وتراجعت السياحة، وازداد عجز الموازنة، وأصبح علينا جميعاً أن نفكر في ذلك بديلاً من الاستغراق في الصراع السياسي الأصم الذي لا يستشرف المستقبل ولا يتلمس الطريق الصحيح .

* ثالثاً: يرى الناس هيبة الدولة من مظهر الشرطي في أحد الميادين، ثم القدرة على المحافظة على الأمن ومواجهة الانفلات الأخلاقي الذي يعكس نفسه في حالة من الاستخفاف بكل ما حوله بحيث تعرضت هيبة الدولة لهزة عنيفة تدعونا بالضرورة إلى حالة من القلق الذي يهز صورة الحكم ويعصف باحترام الدولة التي هي في النهاية إنتاج وخدمات، وأمن قومي، وإذا اختفت هذه العناصر فلا جدوى من غيرها .

رابعاً: يمثل الجيش المصري المؤسسة الوطنية الأولى في البلاد، ويعتبر الركيزة الأساس للأمن القومي والحفاظ على تراب الوطن، وما عليه من بشر ومنشآت، وهذه نقطة مهمة، فالحفاظ على أرواح المصريين هو من صميم مسؤوليات القوات المسلحة مثلما هو الأمر بالنسبة إلى الشرطة عندما تكون قادرة على ذلك، ولقد تعرض الجيش المصري لاختبارات صعبة في السنوات الأخيرة واجتازها معافى وسليماً، لذلك يجب الحفاظ عليه واحترام مكانته، خصوصاً أن أعداء الوطن كثيرون، ولمن لا يعلم فإن مصر مستهدفة على نحو غير مسبوق في تاريخها كله، ولنتذكر الجرائم التي تعرض لها المصريون خصوصاً العسكريين منهم في سيناء على امتداد العام الأخير أو محاولات العبث بحدودنا المستقرة . بل إنني أزعم أن الجيش المصري هو المستهدف قبل غيره، إذ إنه هو الجيش الوحيد الذي لا يزال متماسكاً في دول الجوار مع الدولة العبرية التي تسعى إلى أن تحيط مصر وجيشها بالمشكلات والتحديات في كل جانب، فالجيش السوري أنهكته المواجهة مع الثوار وغيرهم على امتداد العامين الأخيرين، والجيش العراقي خرج من المعادلة منذ دخول القوات الأمريكية إلى أرض الرافدين، وأصبح الجيش المصري هو المستهدف الأول في هذه المرحلة، لذلك يجب أن نحافظ عليه وأن نعطيه من الثقة والاحترام والتقدير ما يجعله أهلاً لها، وقديماً قالت العرب (إن فاقد الشيء لا يعطيه) .

* خامساً: إن صورة مصر في الخارج قد تعرضت في الفترة الأخيرة لاختبارات قاسية بدءاً من العدوان الإجرامي على القوات المسلحة المصرية في سيناء الذي تكرر على نحوٍ يؤكد أن هناك مخططاً خبيثاً يريد أن يعزل شبه الجزيرة عن أحضان الوطن حتى تخضع لجماعات دخيلة تعتمد أساليب إرهابية وأطماعاً مرحلية في تلك البقعة العزيزة من الوادي المقدس طوى .

وإذا نظرنا إلى الجانب الآخر فإننا نرى أن موضوع “السد الإثيوبي” وطريقة إخراجه لا تخلو هي الأخرى من محاولة استفزاز واستثارة مع تجاهل للتشاور المسبق، ورفضٍ للتعديلات التي تقلل الخسائر المصرية بل ويمكن أن تحيل المشروع برمته إلى فائدة مشتركة للجميع، ولا يخالجني شك في أنه لن يستجيب لنا غيرنا إلا إذا نجحنا في استعادة هيبة مصر واسترداد مكانتها الإفريقية والعربية بعد انكماش الدور المصري في العقود الأخيرة .

هذه محاور أردنا بها أن نوضح حجم المخاطر التي تواجهنا والتحديات التي تحيط بنا، لعلنا نرعوي وندرك أن الوحدة الوطنية المصرية بكل أبعادها الدينية والسياسية والأخلاقية هي الدرع الواقية لنا في هذه الظروف المعقدة والمرتبكة والحساسة . . إننا نريد أن يحمي الله الكنانة ويحفظ شعبها من كل سوء .

*نقلاً عن "الخليج" الإماراتية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.