.
.
.
.

خوف الشارع الذى انكسر

عماد الدين حسين

نشر في: آخر تحديث:

من الآن فصاعدا ينبغى على أى حكومة أو سلطة فى مصر أن تكون قلقة طوال الوقت، والسبب أن هناك متغيرا خطيرا طال الحياة السياسية المصرية خلاصته ان الشعب أو الجزء الأكبر منه أو شريحة فاعلة يمكنها ان تخرج إلى الشارع وتسقط هذا الحاكم أو تلك الحكومة.

لسنوات طويلة كان علماء الاجتماع السياسى يعتقدون أن الشعب المصرى كسول وخامل وان استقراره فى الوادى على ضفاف النيل الهادئ جعله لا يتحرك ولا يثور كما تفعل كل الشعوب الحية.

هذا الشعب كسر كل هذه التابوهات وثار على مبارك وأسقطه فى 18 يوما، ثم ثار على مرسى والإخوان وأسقطهم فى أقل من ثلاثة أيام. السؤال: ما الذى يجعل هذا الشعب لا يثور على النظام الجديد وعلى حكومة الدكتور الببلاوى؟!.

جزء كبير من الذين ثاروا على محمد مرسى والإخوان هم أنفسهم صوتوا لمحمد مرسى ولجماعته فى أكثر من استحقاق انتخابى، هربا وقرفا ويأسا من بقايا دولة مبارك الأمنية.

ما لم يفهمه الإخوان ان الشباب الذين خرجوا فى 25 يناير بحثا عن الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، هم أنفسهم الذين خرجوا يهتفون ضدهم فى 30 يونيو. هؤلاء ــ وهم خليط متنوع ــ يؤيدون الآن ما حدث ويتوقعون من حكومة الببلاوى ومن الجيش ومن كل الأطياف السياسية التى تدعم العملية السياسية الراهنة ان تتحسن أحوالهم وتتغير إلى الأفضل.

إذا نجحت حكومة الببلاوى فسوف يرفعها الناس فوق الأكتاف، وسيطالبون باستمرارها، بعد نهاية المرحلة الانتقالية، وإذا فشلت ــ لا قدر الله ــ فسوف يتبرأ منها الجميع.

المؤكد أن د. الببلاوى يتذكر كيف رفع الثوار د. عصام شرف فوق الاكتاف، خصوصا ان الببلاوى كان نائبا لشرف، وقفز بسرعة من هذا المركب الذى ثبت أن الثقوب كانت تملأه.

الناس لا يشغلها هل الببلاوى تكنوقراط أم سياسى، وهل البرادعى يعشق تماثيل بوذا أم لوحات الهولوكست، ما يشغلها هو الانجاز على الأرض.

أحد القوانين التى يمكن القول انها صارت جزءا من اللعبة السياسية هو ان الناس لن تصبر كثيرا على أى حكومة أو نظام، هى تريد نتائج ملموسة وان تشعر ان هذه الحكومة جادة فعلا فى التعامل مع المشكلات، والأهم انها مؤهلة لذلك.

المواطنون العاديون لا يشغلهم البيانات الحكومية، ولا يشغلهم المفاوضات مع صندوق النقد وبرنامج التثبت الهيكلى، لا يشغلهم هل نتلقى معونات من أمريكا أم من أوروبا، من السعودية أم من قطر، هؤلاء يريدون حدا أدنى من الحياة الكريمة، وظيفة ومسكن وما كل وأمل فى الغد.

فى الماضى كان الناس يخافون من الحكومة، وكان يكفى ظهور عسكرى فى أى مقهى ليجعل الجميع يخافون وينصرفون.

القيد انكسر، والخوف زال، وصار غالبية المصريين يتحدثون فى السياسة ويفتون فيها.

إذن مهما كان خطاب أى حكومة ورديا أو ثوريا، فقد يجعل الناس تصبر شهورا وليس سنوات، لكن عند لحظة معينة سيتحرك الناس. من أجل كل ذلك، على الحكومة الجديدة ان تكون مستعدة ومؤهلة ولديها برنامج عمل حقيقى.

كان الله فى عون د.الببلاوى وكل من يقبل هذه المهمة الانتحارية.

نقلاً عن صحيفة "الشروق"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.