«بلقنة» الدولة المصرية

سلطان العامر
سلطان العامر
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

في مطلع القــــرن الـ20، أعلن الصحافي والسياسي والاقتصادي الروماني ميهايل مانويلسكو الآتي: «سيكون القرن الـ20 قرن التوحدية «corporatism»، بالمقدار نفسه الذي كان القرن الـ19 قرناً لليبرالية». التوحدية هنا تعني نظـــــاماً اجتماعياً وسياسياً بحيث يكون كل جزء من المجتمع منــــظماً بشكل مستقل عن الآخر بشــــكل هرمي، وتنظم العلاقات بين هذه الأجــــزاء إما بتوجيه أو بإشراف مـــــن الدولة. في عام ١٩٧٤، وفي دراسته الشــــهيرة «هل ما زال قرناً للتوحدية؟» قام فيـــليب شميتر بدراسة ظاهرة التوحدية، ليعلن في نهاية بحثه أن القرن 21 سيكون قرن «النقابية اللاسلطوية»، والنقابية السلطوية تعني أن هذه الأجزاء المنعزلة عن بعضها البعض والمبنية بشكل هرمي تبدأ بالعمل بالفعل من ذاتها من دون رقابة أو إشراف من الدولة.
بعد سقوط مبارك بأقــــــل من شهر، كتب الدكتور ناثان براون مــــقالة بعنوان «مستقبل نقابيّ لمصر؟»، طرح فيه بذرة ملاحظاته وتأملاته عن ظاهرة سماها فــــي ما بعد بـ«بلقنة الدولة»، في هذه الظاهرة يقترح براون أن يتم النظر للتـــــطورات الحاصلة في مصر لا باعتبارها اتجاهاً نحو مـــــزيد من «اللبرلة» بقدر ما هو توجه نحـــــو مزيد من النقابية، ولأن كـــــانت النقابية تعني في الأصل مؤسسات تمثل شرائح من المجتمع طبقياً أو من العمال، فـــــــإن بــــراون استخدمها لوصف العلاقة بين مختلف المؤسسات في مصر - سواء كانت رسمية أو اقتصادية أو اجتماعية. تبدأ القصة عند براون من إسقاط الملكية، عندما قام جمال عبدالناصر بإخضاع مؤسسات الدولة كافة لمؤسسة الرئاسة، وذلك عبر ذوبان الحدود الفاصلة بين الجيش والدولة، وتدخل العسكر في إدارة المرافق المدنية، وتضخم الدولة عبر تأميم القطاع الخاص، والسيطرة على القضاء، ومع سيطرة الحزب الحاكم الوحيد - الاتحاد الاشتراكي العربي - على الإعلام والنقابات العمالية.
هذه السيطرة الكاملة للرئاسة عــــلى مـــــرافق الـــــدولة بدأت بالتفكك بعد وفاة عبدالناصر، ومنذ تلك الأيام بدأت مرافق الدولة تنال استقلالاً بذاتها. تم فتح التعددية الحزبية السياسية الشكلية، فتح المجال للقطاع الخاص، تقلص دور الجيش في السياسة، جـــــعل وسائل الإعلام الرسمية تحت إمرة البرلمان، وبدأ القضاء بالاستقلال شيئاً فشيئاً... إلخ، هذا التمايز المؤسسي لمختلف أجزاء الدولة المصرية لم يقتض استقلالاً سياسياً لها، بل كانت جميع هذه الأجزاء خاضعة لمؤسسة السيادة. في عهد مبارك أصبح رئيس كل مؤسسة يتم اختياره من داخلها، وزير الدفاع يجب أن يكون ضابطاً في الجيش، وزير الداخلية يجب أن يكون أحد رجالات الأمن، وزير العدل يجب أن يكون قاضياً... وهكذا.
ما تنبأ به براون ولاحظ بوادره تظهر بعد الثورة المصرية هو أن تسعى كل مؤسسة من مؤسسات الدولة إلى اختيار رأسها بنفسها، فعلى سبيل المثال، استطاع الأزهر تحقيق خطوات متقدمة في الاستقلال، فهو - بحسب نص المادة ٤ من دستور ٢٠١٢ - يتم اختيار رئيسه من بين أعضاء هيئة كبار العلماء، ويتم أخذ رأيه في القوانين المتعلقة بالشريعة، وتعاون الأزهر كان أحد العناصر الرئيسة التي أقالت مرسي، وكذلك نجد أن الجيش ضمن له الدستور أن يتم اختيار وزير الدفاع من بين ضباطه، وأن يراقب موازنته بنفسه، أما المؤسسات الأخرى - كالنقابات العمالية، والقضاء، والجمعيات، والجامعات، والإعلام - فهي في طور السعي لتحقيق مثل هذا النوع من الاستقلال.
بـــــحسب هذه الصورة يتم تفسير جانب كـــــبير من صراع المؤسسات المنـــــتخبة ديموقراطياً ومؤسسات الـــــدولة الأخرى، لا باعتباره صراعاً بين الإسلام والعلمانية، ولا باعتباره صــــــراعاً بين الفلول والثـــــورة، بقدر ما هو صراع بين مؤسســــات متوزعة تسعى لنيل أكثر قدر ممكن من الاستقلال والابتعاد عن إشراف المؤسسات الأخرى عليها، ولعل أبرز أمثـــــلة هذا الصراع هو الصراع الذي كان بيـــــن الرئاسة والقضاء، غير هذا الصــــراع بين المؤسسات، هناك صراع جـــــيلي داخل كل مؤسسة، إذ رأيــــــنا وجود اتجاهات محافظة وأخرى إصــــلاحية تحــــاول دوماً الصراع في ما بينها على السيطرة على هذه المؤسسات.
هذه الظاهرة تطرح ثلاث قضايا ملحة، الأولى منها تتعلق في أن كل مسألة في سعيها لتحصيل مصالحها ستدعي أنها إنما تسعى بذلك إلى مصلحة مصر، هذه هي الدعوى الأساسية التي يكررها الجيش في دعاواه المتكررة، القضية الثانية، وهذا ما أشار إليه براون، أن زيادة حدة استقلال مكونات الدولة المصرية قد يجعل من الحال المصرية مثيرة للانتباه بالنسبة للباحثين، لكنها ستجعل من المجال السياسي مجالاً يعج بالصراعات الحادة، أخيراً، كيف ستؤثر مثل هذه الظاهرة على عملية التحول الديموقراطي ككل؟
مصطلح «البلقنة» عادة ما يشير إلى تقسيم الدولة إلى دول جديدة مستقلة، لكن هذا المفهوم بحسب استخدام براون يشير إلى تحول أجزاء من الدولة للتصرف باعتبارها دولاً داخل دولة.
على رغم أن هذا الاتجاه ليس حاداً، فإن هذه الظاهرة تحظى بقدرة كبيرة على طرح تفسيرات أكثر دقة على الأحداث المتسارعة في مصر من التحليلات الثنائية «اسلاميين/ علمانيين»، أو «ثوار/ فلول».


*نقلاً عن "الحياة" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.