"الإخوان" ومأزق أمريكا

عاطف الغمري
عاطف الغمري
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

كان لافتاً للنظر الارتباك في موقف الإدارة الأمريكية تجاه الأحداث في مصر الذي يفترض ألا تصاب به قوة عظمى كالولايات المتحدة، لديها حسابات استراتيجية مدروسة بعمق . وأخذ موقفها يتراوح بين الضغط في البداية للإبقاء على مرسي، ولو رئيساً شرفياً، وبين الإقرار بأن ما حدث في مصر، هو ثورة شعب انتفض ليسترد إرادته .

إن ورطة الموقف الأمريكي لها جذور ترجع إلى سنوات مضت، وتدرجت منذ الاتصالات المكثفة في الثمانينات بين “الإخوان” والإدارة الأمريكية، حيث وصلت بعد مداولات عبر السنوات الماضية، إلى اقتناع أمريكي بأن “الإخوان” هم أفضل من يخدم مصالحهم، وارتبط به تصور بأن التيار الديني هو المحرك الرئيس للشعب المصري، وأن “الإخوان” هم من يمثل هذا التيار، من دون أن تكون لديهم معرفة بطبيعة الشعب المصري، حاضراً وتاريخياً، بأنه هو نفسه كشعب وبشكل عام، تيار متدين، بهوية وسطية، تختلف عن النزعة المتطرفة للإخوان .

ومن المعروف، وهو ما أكده بالوثائق، الذين كانوا كوادر نشطة في جماعة الإخوان، ثم انشقوا عنها، أن الجماعة تستحوذ عليها منذ قيامها، أفكار عن الدولة، ليست هي ما يعبر عن الخصائص القومية للمصريين، وأن لديها مخططاً للتمكين، ولأن ذلك ليس ميسراً لها بالطرق الطبيعية، فإنها لجأت إلى الخارج بحثاً عن غطاء أجنبي، يدعمها، وهي تدرك أنها لابد أن تقدم المقابل . فأكثرت من تقديم التعهدات بخدمة المصالح الأمريكية، وعدم المساس ب”إسرائيل”، والمحافظة على اتفاقية كامب ديفيد .

كانت تحركات “الإخوان” تزداد نحو طمأنة الأمريكيين، بخاصة بعد وصولهم إلى الحكم، وحرص مرسي، طبقاً لما صرحت به مصادر أمريكية عليمة، على إيفاد مبعوثين من “الإخوان” إلى واشنطن كل ثلاثة شهور، في لقاءات لا تعلن تفاصيلها .

. . وعلى الناحية الأخرى كانت واشنطن تتحرك نحو توطيد العلاقة مع الإخوان، بحسابات تخص مصالحها .

بدأ التحرك الأكبر بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ،2001 نتيجة شعور بالقلق من ظهور متعاطفين مع أسامة بن لادن من العرب، وظهر توجه تحدث عنه بول وولفوتيز نائب وزير الدفاع، من أن أمريكا تسعى نحو علاقة مع الإسلام المعتدل، لموازنة التيارات المتطرفة . وجرى ترتيب لقاءات بين إخوان وبين مسؤولين بالمخابرات الأمريكية عقدت في عواصم أوروبية، منها بروكسل . وبعد أربع سنوات من صياغة هذا التوجه، أعلنت كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية أننا لا نمانع في وصول الإسلاميين للحكم . بعدها كشفت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية، في فبراير ،2011 بعد ثورة 25 يناير، عن حقيقة ما كان يجري بين أمريكا والإخوان . وقالت إننا سنواصل الاتصالات التي قامت في السنوات الماضية مع “الإخوان” .

وحين جرت انتخابات الرئاسة، كان الموقف الأمريكي داعماً لانتخاب مرسي .

كانت هناك عناصر تشكل قوة دفع لموقف أمريكا . فهي تخشى من أن تتبلور فكرة الوطنية والقومية، في تكتل استراتيجي عربي، لأن حدوث ذلك سيحدث، من وجهة نظرها، تحولاً ليس في مصلحتها، وكانت تعرف أن هذه الفكرة ليست ضمن معتقدات الإخوان، الذين تتجاوز أفكارهم وارتباطاتهم الخارجية، معنى الوطن والقومية .

ولما كانت أمريكا لها شبكة مصالح تمتد في الشرق الأوسط على اتساعه، فقد رأت أن تحالفها مع الإخوان، سوف يسهل لها استخدام فروع التنظيم الدولي، في خدمة السياسة الأمريكية، خاصة في سوريا والعراق وغيرها .

لكن ما حدث في 30 يونيو ،2013 وضعها في مأزق، لم تعرف كيف تتعامل معه . عندئذ بدأت تناقضات موقف أمريكا، الذي تشكل على أساس نوع من التحالف السياسي، وأقامت عليه الكثير من الحسابات والتوقعات، وإن كانت حيرتها قد بدأت مبكراً، حين رفضت القوى السياسية في مصر، الإجراءات الاستبدادية لمرسي، منذ خطيئة الإعلان الدستوري، الذي حصّن به قراراته، ودخوله في عداء مع جميع مؤسسات الدولة، خاصة القضاء، والصحافة، والإعلام . إضافة إلى عجز صريح عن إدارة الدولة، وغياب لأي رؤية سياسية، أو مشروع للتنمية الاقتصادية، إلى أن كان الخروج الكبير في 30 يونيو، والذي كشف لها أن الإخوان ليست لهم أغلبية، وزاد من ورطتها ما بدأ يحدث من قياداتهم بعد تنحية مرسي، من سلوكات دموية، أظهرتهم كتنظيم إرهابي متطرف .

كانت ورطة أوباما متشابكة، ومعقدة، فهو يتخذ قرارته بناء على ما يخدم مصالح بلاده في مصر، وهو ما خصص له الكثير من الموارد الداعمة للإخوان، وانعكس ذلك على حالة غضب في الكونغرس الذي وجد أن أوباما أقام علاقة تحالف مع تنظيم وليس مع دولة . وكان الخروج من هذا المأزق صعباً، فحدث الارتباك .

* نقلا عن "الخليج" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.