الوعد الغائب

عمرو خفاجي
عمرو خفاجي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

ما نتحدث عنه، ليس بالتاريخ البعيد، فالقصة كلها لم تتجاوز الأشهر الثلاثين، ورغم زخم الأحداث التى مرت بها مصر، فإن الزمن يسمح لنا بتذكير الجميع بما حدث، على الأقل حقائق العناوين الكبرى التى عشناها منذ ٢٥ يناير ٢٠١١ وحتى الآن، فعندما نقول إن شرارة الثورة اشتعلت بدعوات للتظاهر اعتراضا على ممارسات الداخلية، فمن الصعب ان ينفيه أحد أو يراجعه، كذلك عندما نقول إن الثورة على نظام مبارك اكتملت بنزول الجماهير للشارع والتظاهر فى ميادين الحرية فى معظم أنحاء مصر فنحن نقر واقعا لا يمكن تجاهله أو الاعتراض عليه، وحينما نقول إن النخبة التى كانت فى مقدمة الصورة فى تلك اللحظات كانت قد وعدت الجماهير بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، فنحن نسجل ما حدث ونوثقه، وحينما نراجع تلك الوعود اليوم، سنكتشف أن الجماهير التى حولت غضب الشباب إلى ثورة، قد تم خداعها، بعد أن تبخرت كافة الوعود تقريبا خلال العامين ونصف العام الماضيين.

الجماهير التى ضحت، ودفع الكثير من أبنائها دمائهم ثمنا لهذه الثورة، لم يحصدوا أية نتائج حتى الآن، خاصة فى كل ما يتعلق بالعدالة الاجتماعية، بل إن بعضهم يرى أنه تعرض لخديعة كبرى من أقطاب هذه النخب، فهم لم يرو سوى عراك وشجار فيما بينهم، ومزيد من الدماء تراق، وأن الجائع لم يسد أحدهم رمق جوعه، وأن المريض لم يجد من يعالجه، وأن العاطل لم يعثر على وظيفة أو دخل، بل أن بعض من هذه الشرائح ساءت حالته، بالطبع من السهل أن يصف البعض ما أذكره أنه ترسيخ للنيل من ثورة يناير، لكنى أعتقد أنه إفاقة ضرورية لنخب تخلت عن مهمتها الأولى فى تحقيق مطالب الثورة، وهنا لا أستثنى أحدا، حكومات ما قبل مرسى وحكومات مرسى، فلم يتحقق شىء، والأعذار هنا لن تكون مقبولة بالمقارنة بحجم الوعود التى انطلقت من الجميع، وبعضها جعل للجماهير أحلاما تلامس السماء، وأعتقد أن الجميع يعلم عدد الذين عادوا لمصر بعد هذه الثورة العظيمة، والتى ستحقق أهدافها، لأن الشعب هو الذى يرغب فى ذلك، وتذمر الشعب المتتالى، لا يعنى سوى رفضه لهذا الأداء المتخاذل من النخب التى تصدرت الصورة فى أعقاب رحيل نظام مبارك.

حينما نتحدث عن الوعد الغائب، فنحن نتحدث عن الفشل الذريع للنخبة، خاصة تلك النخب التى تمكنت من الحكم، أو تملكت سلطة إصدار القرارات، وهنا الأعذار ممنوعة، لأنهم تصدوا بأنفسهم للحكم وقالوا إنهم لا يستطيعوا، ولا يمكن أبدا أن أنسى ذلك الرجل الجنوبى (من قرية صغيرة فى سوهاج) وهو يريد أن يتأكد أن الثورة ستستطيع توفير أمصال لدغات العقارب التى تحصد أهل قريته، تصوروا أن الثورة لم تنجح فى ذلك حتى الآن؟ تصوروا بساطة أحلام هذا الشعب، وقيموا فشل النخبة فى عدم تحقيقها، هذا الشعب فى يناير ٢٠١١ لم يكن يسأل عن صراع الاسلام السياسى أو حكم الليبراليين أو تخوفه من حكم العسكر، كانت الغالبية تسأل عن المأكل والمشرب والملبس والمسكن، لذا على النخب أن تعى جيدا، أن وعودهم غابت، لكن وعى هذا الشعب حاضر لا يغيب، فلا تتركوهم ضحايا لصراع لا ناقة لهم فيه ولا جمل، لأن ساعتها غضبتهم ستكون شديدة وقاسية على الجميع.

نقلاً عن صحيفة "الشروق"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.