لا عودة إلى الوراء
دخلت الثورة المصرية مرحلة كسر العظام، مرحلة كان يمكن تفاديها لو أن القوى المتصارعة على السلطة آمنت حقاً بأهداف الثورة وعملت على تحقيقها، ولو أن هذه القوى لم تكن مسلحة بحكم طبيعتها ووظيفتها أو بحكم وتقاليد هياكلها التنظيمية والسرية .
كان بيننا الواثقون من أن تجاهل القوى الحاكمة ومؤسسات الدولة لرغبات الشعب المصري، وبخاصة الرغبة في التغيير، سوف يؤدي حتماً إلى تعقيد مسيرة الثورة . كان المطلوب في ثورة عبرت بسمعتها ورقي أهدافها حدود مصر أن يحدث تغيير في كل مؤسسات الدولة وبخاصة تلك التي قاومت إدخال إصلاحات متدرجة عبر عشرات السنين .
افترضنا أن قادة مختلف أطراف الساحة السياسية في مصر سيتولون بأنفسهم الدعوة إلى إصلاح أحزابهم وجماعاتهم ومؤسساتهم، ففي هذا الإصلاح قوة مضافة وتجديد للدماء والعقول فضلا عن أنه مطلب شعبي . افترضنا أيضاً أنه ما أن يبدأ الإصلاح الجزئي في كل بقعة وكيان وتنظيم على الأرض المصرية حتى نرى روحا جديدة تقود مختلف التيارات السياسية والاجتماعية نحو توافق عام وتضع آليات تمنع العودة إلى الخلاف والصدام .
لم يقع الإصلاح المرجو، أو على الأقل لم نتبلغ من الجهات المسؤولة في تلك المؤسسات أنه وقع أو واقع لا محالة . لذلك بدأ يتسرب الشك لدى الناس في النوايا الحقيقية لبعض قادة القرار وصناع الرأي حول مسألة التزام هؤلاء بالثورة . الآن تأكدنا بأنفسنا أنه لم يقع .
وقع الصدام، وبوقوعه تعقدت مسيرة الثورة لأجل غير مسمى . السبب في رأيي أن لا أحد من أطراف الصراع على السلطة أدخل تغييرات أو إصلاحات متدرجة أو جذرية على هياكله الموروثة وعلى منظومة فكره، رغم الإدراك السائد بأنها لم تعد تصلح للتعامل مع منظومات فكرية عالمية متقدمة . تصور البعض منا خلال مرحلة وجيزة، أن التفاهم الذي حدث بين المؤسسة العسكرية وجماعة الإخوان المسلمين، كان يمكن أن يمثل خطوة البداية نحو الالتفات إلى هموم الإصلاح الداخلي في كل منهما . تصورنا أن الطرفين يستعدان، مدفوعين بروح الثورة، للمشاركة في بناء دولة عصرية . كان تصوراً زائفاً، وأنا أحد النادمين على القبول به أو مسايرة أصحابه، ولو لأسابيع قليلة . بل إننا، وبحماسة لا يجوز أن يستدرج إليها ذوو التجارب، تصورنا أن كثيراً من الليبراليين المصريين سوف يحالفهم النجاح لا محالة في نزع البقايا “اللاليبرالية” التي عششت في أساليب تفكيرهم وشوهت علاقاتهم وهيمنت على نظرتهم إلى السلطة . تصورنا، بمعنى آخر، أن أحزاب الأمس ستصلح نفسها بنفسها وتتخلص من نفوذ السلطة المهيمنة وإغراءاتها ومن سطوة المصالح الفردية، لتشارك في إقامة نظام حزبي جديد، يليق بسمعة الليبرالية الحقة وبأهداف ثورة لم تبتعد أهدافها كثيرا عن شعارات الليبراليين وأحلامهم .
وقع التفاهم الصوري أو المزيف بين قوى التضاد التاريخي، وكان لابد أن ينقلب في أول فرصة فيصير صداماً حتمياً وعنيفاً . كان أمل المتفائلين في مصير التفاهم أن تتوصل جماعة الإخوان إلى إقناع المصريين عموما، وليس فقط الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بأنها جادة في الإصلاح الداخلي، وفي التحول من جماعة بهياكل وأساليب إدارة وتوجيه شبه عسكرية، إلى حزب سياسي عصري، أبوابه مفتوحة ليدخل إليه من يريد أن يدخل ويخرج منه من يريد أن يخرج، بدون قيود أو شروط أو جزاءات . كان الأمل أيضاً أن تثبت الجماعة أنها “كحكومة” قادرة على أن تمارس شيئاً من الديمقراطية وتوسع فرص المشاركة أمام كافة الأطراف . وكان الأمل أن تسهم الجماعة في نشر الوعي بأن صندوق الانتخابات ليس المنتهى في الديمقراطية، وأنه ليس أكثر من “فاتحة” تتلوها أفعال كثيرة أهم بكثير من الأصوات التي جمعها أيا كان عددها . وللأسف لم تحقق حكومة الإخوان أياً من هذه الآمال . وبهذا الفشل أفسحت المجال للمؤسسة العسكرية لتعود إلى الساحة السياسية طرفاً مهيمناً وفاعلاً .
**
الصدام مستمر رغم الرفض المتزايد له، ورغم الضغط الأجنبي . وفي الوقت نفسه طموح الثوار مستمر رغم خيبات الأمل المتعاقبة . أظن، بل أثق في أن الشباب ما زالوا متمسكين بارادة التغيير وحريصين على تفعيله . وأعتقد أن أكثر العناصر الشابة في هذا التنظيم أو ذاك يريد أن يرى تغييراً في قياداته وأفكاره وأساليب عمله، إن لم يكن تحت تأثير الثورة المصرية المستمرة منذ أكثر من عامين فعلى الأقل بتأثير من ثورة شباب عالمية ممتدة من جنوب أوروبا ومنتهية في أمريكا اللاتينية . يكفي أن رجلا في مكانة وحكمة بابا الفاتيكان لمس الشيء نفسه وانفعل به خلال زيارته للبرازيل في زمن الثورة فصار يؤكد أن “الشباب
في كل مكان يريدون أن يصنعوا التغيير”، وينصحهم بأن “لا تبقوا على مشارف الحياة” . شعر الرجل بأهمية دور الشباب وهو يراقب غليانا ثوريا لم يمر عليه أكثر من أسابيع قليلة، فما بالنا بثورة مصرية مستمرة منذ يناير/كانون الأول 2011 .
**
لن تهدأ الثورة حتى يعي قادة الإخوان المسلمين الدرس الأخير، درس الفشل في الحكم بسبب قلة الخبرة وخلط الدين بالسياسة وتمكين جماعة شبه عسكرية لتدير حواراً ديمقراطياً . عندئذ سوف يقررون أن يتحولوا إلى حزب سياسي مفتوحة أبوابه ونوافذه للداخلين والخارجين . ولن تهدأ الثورة حتى يقتنع طرفا الصدام الرئيسي أنهما طالما لم يصلحا هياكلهما وأساليبهما ونظرتهما إلى المجتمع ودورهما فيه فلن “يحكما” لو عادا إلى السلطة بالصندوق أو بغيره . لن يحكما ولن يتحكما، فالشعب في غالبيته العظمى، وبخاصة في شبابه، تغير ولن يعود الى الوراء .
*نقلاً عن "الخليج" الإماراتية.