جففي دمعك‏..‏ يا مصر‏!

عزت السعدني

نشر في: آخر تحديث:

فوق جدران مقبرة الملك خوفو صاحب معجزة الزمان والمكان‏..‏ الذي اسمه الهرم الأكبر‏..‏ نص من كتاب متون الأهرامات يقول بالحرف‏:‏ الدم المصري دم مقدس ترعاه عين الإله الأعظم‏.

فاحذر أن تقتل أخاك المصري وتسيل دمه.. فإذا فعلت فالنار مثواك وأنوبيس في انتظارك. والدم المصري حرام عند المعبود وعند الإله.. وكما يقول العامة حتي يومنا هذا: حرام عند العبد وعند الرب!

ولكننا بعد خمسين قرنا من الزمان نسينا هذا النص المقدس.. بل ونسينا ديننا وانغمسنا في خطايانا.. نقتل.. ندمر.. نحرق.. نسرق.. نختلس النظر إلي الجارات.. الذي كانوا يعتبرونه خطيئة في توراة سيدنا موسي عليه السلام.. فإذا بنا نتجاوزه إلي ما هو ألعن وأمر سبيلا.. دون أن تهتز شعرة واحدة في رؤوسنا..

محدثي يقول: في زمان غاب فيه العقل واحتجب.. وتوارت فيه الحكمة خجلا.. وامتنع فيه العقلاء.. لبس الإخوان بردة عنترة ورسموا فوق صدرهم العاري أسدا غضنفرا.. وأمسكوا في الزمان الخطأ والمكان الخطأ.. بكرسي العافية والفتونة وألقوه علي الكلوب الذي يضيء نهار مصر بالحب.. وليلها بالنور ـ كما يفعل الفتوات في الأفراح البلدية.. لتتحول مصر كلها إلي ظلام دامس.. ولتغيب شمسها وينكشف سترها..
الذي يتحدث هنا لست أنا ولكنه الفريد هتشكوك مخرج المآسي في السينما الأمريكية..

وليسيل دم أبنائها أنهارا.. من كان منهم علي صواب.. ومن كان علي خطأ.. لا فرق ولا تفريق.. بأرقام هي عند الضحايا المغلوبين علي أمرهم بالآلاف.. وعند المقتحمين الأقوياء البواسل بالمئات أو أقل قليلا.. فأرقام القتلي والجرحي في المواجهات السياسية في بلدنا تتحرك صعودا وهبوطا حسب هوي ومزاج من يحكم في بلدنا.. ومن في يده زمام الأمور.. هكذا هو حالنا من أيام الملك مينا نارمر قبل خمسين قرنا من الزمان.. وحتي أيام من يجلس علي الكرسي أمس واليوم وغدا!

طيب وماذا سيقول العالم عنكم؟..

يسألني الفريد هتشكوك؟

والجواب: لا يهم هنا ما يقوله العالم من حولنا عنا وما يزيد وما يعيد.. فالكل بعد أن يهدأ غبار جياد المعركة.. سوف يعود إلي أحضاننا بالقبلات والهبات والمعونات والمساعدات.. وسحقا للمبادئ.. لأن الدنيا مصالح والسياسة منافع.. وسكة أبوزيد ـ كما تعلمنا طول عمرنا ـ كلها مسالك!
وآسف جدا للتعبيرات البلدي التي يحلو لها أن تتسلل إلي عباراتي هذه الأيام..

ولكن العالم لم يسكت.. أعلن أوباما إلغاء تدريبات النجم الساطع بين القوات الأمريكية والمصرية ليعلن رجل شجاع واحد.. في سدة الحكم اسمه الدكتور محمد البرادعي الحاصل علي جائزة نوبل للسلام ـ الاستقالة من حكومة الأمر بالقتل والنهي عن الحوار.. والانسحاب من ذنب القتل والاقتحام باعتبار أن من قتل مصري.. ومن قتلوه مصريون مثله.. ومن سال دمه مصري حتي النخاع.. وجففي دمك يا مصر!

وقال الرجل الشجاع في خطاب استقالته: لقد وصلنا إلي حالة من الاستقطاب أشد قسوة وحالة من الانقسام أكثر خطورة وأصبح النسيج المجتمعي مهددا بالتمزق لأن العنف لا يولد إلا العنف..

وقال الرجل: لقد أصبح من الصعب أن أستمر ولا أستطيع تحمل مسئولية قطرة واحدة من الدماء أمام الله ثم أمام ضميري.. وللأسف فإن المستفيدين مما حدث هم دعاة العنف والإرهاب والجماعات الأشد تطرفا.. وستذكرون ما أقوله لكم..

وتاه في زحام الدم والغم صوت رجل دين فاضل.. اسمه الدكتور أحمد الطيب شيخ الجامع الأزهر.. الذي بح صوته أياما طويلة بلا عدد مناشدا كل الأطراف للحوار وفتح مضيفة الأزهر لاستقبال عقلاء القوم فينا.. إلا أن الذين ذهبوا وجلسوا وتناقشوا.. لم يصلوا إلي جواب ولم يستجب لهم أحد.. ليصدر في النهاية شيخ الجامع الأزهر بيانه الأخير الذي نفي فيه علمه بقرار فض الاعتصام بالقوة.!

يعني رجلان من بين كل رجالات مصر.. احتكما إلي صوت العقل: الدكتور محمد البرادعي والدكتور أحمد الطيب.. وقالا: لا لاستخدام القوة.. فلم يستمع إليهما أحد.. لتحترق مصر كلها.. ولتضيع في زحام الفوضي والانقسام وعلو صوت لغة الانتقام.. كلمات حق أطلقها من يملكون عقلا وفكرا من أمثال الدكتور سليم العوا.. والدكتور هشام قنديل رئيس مجلس وزراء مصر السابق.. بجلسة حوار مع الإخوان إلا أن النهار لم تغرب شمسه إلا وبقية قادته قد باتوا خلف الأسوار, ونسي الجميع في غمرة المكاسب السياسية السريعة.. التي هي دائما إلي زوال.. إن مصر هي الخاسر في النهاية.. وأن الدم المصري الذي سال ما كان له أن يراق.. لو أننا احتكمنا إلي العقل وتحدثنا لغة العقل وليس إلي لغة الاقتحام والقتل والدم والموت مهما تكن المبررات.. ودوسيهات الأعذار.. ودولاب الحجج..

لتحترق مصر كلها.. وتشتعل فيها النيران.. ولتدخل مصر مرغمة حظيرة إعلان حالة الطوارئ في طول البلاد وعرضها.. وتضيع وتتواري الديمقراطية المصرية خلف الشبابيك خجلا.. ونصبح بين يوم وليلة عرضة للقيل والقال وكثرة السؤال من أرباب الديمقراطيات في العالم.. بعد أن وأدنا بأيدينا أول ديمقراطية مصرية بعد ستة عقود من حكم العسكر حتي لو كانت ديمقراطية مهلهلة الثياب.. مهيضة الجناح.. لا تهش ولا تنش.. واحزني يا كل أمهات مصر علي الدم المراق.. والصدام والفوضي ورائحة الحريق في كل مكان وكل ركن وكل شبر.. من أرض مصر الحزينة..

وقامت قيامة الدنيا ولم تقعد.. وبدأت جماعات الإخوان حملة تدمير وتكسير عظام مصر كلها وحرق أقسام الشرطة ودور العبادة ومقرات الحكم في طول البلاد وعرضها وقتل كل من يعترضهم.. ليقفز إلي الصورة حريق62 يناير2591 الذي أحرق القاهرة كلها, لتقوم ثورة يوليو بعد ستة أشهر من الحريق.والذي أحزنني وأبكاني أكثر هو السطو علي متحق ملوي وسرقة كل محتوياته الأثرية بالكامل.. يا سنة سودة يا ولاد!

فتحت أمامي صحف الصباح بعد ليلة الأعاصير الدامية التي ألمت بمصر وأبكت الأمهات وأدخلت الصغار في حظيرة اليتم ـ بضم الياء وسكون التاء ـ بدري بدري بعد أن فقدوا الآباء في معركة عبثية خبيثة ليس هذا مكانها ولا زمانها.. تدخل في أدوار مراثي هوميروس في إلياذته.. لأجد أرقاما عجيبة هي الأخري عبثية ما كان لها أن تكون أو تحدث في حصيلة المأساة أو الملهاة ـ لا فرق ـ525 حالة وفاة بينهم34 ضابطا وجنديا+7173 إصابة.. هل هذا معقول؟

حزين مكتئب وأنا أقرأ الأرقام والأوجاع.. اقتحم علي صومعة حزني وألمي.. شيخ طويل القامة أشعث الشعر أبيضه.. لحيته تكاد تصل إلي آخر صدره.. بيضاء ولكن شعثاء متربة معفرة.. ضرب الباب بعصاه الطويلة.. ودخل وهو يبادرني بقوله: الحمد لله أنني وجدتك في هذه الساعة من الصباح.. بعد أن تربع علي الكرسي أمامي وقال لي: اطلب لنا واحد قهوة سادة من فضلك..

ولأنني تعودت من صغري أن أسمع الكلام.. فقد طلبت له قهوته السادة ومعها واحد مضبوط لي.. بادرني هو بقوله: أنا قادم إليك الساعة من ميدان رابعة.. لا أعرف كيف خرجت سالما ومن حولي جراح وأنين وجثث بلا عدد.. داخل مسجد رابعة.. لقد تركوني لحالي عندما قلت لرجال الشرطة: أنا الشيخ أبوخطوة.. كما يسمونني.. مرة تجدني هنا ومرة تجدني عند أسوار الكعبة.. الله أكبر!
زعقها بأعلي صوته.. لأنتفض من مكاني رغما عني..

قلت له: احك لي ماذا رأيت في ليلتك الغبراء في رابعة؟

قال: لقد كنا علي وشك أن نغادر كلنا المكان دون صدام.. دون رصاص ولكنهم هم الذين بدأوا!

أسأله: من تعني بهم يا شيخ؟

قال: رجال الشرطة.. ضيقوا علينا الخناق وأطلقوا الغاز اللعين ثم لم أدر بنفسي إلا وأنا داخل سيارة الأسعاف.. تسللت منها إلي الطريق العام وجئت إليك.. لكي تقول لرجال الشرطة لقد كنا في طريقنا للتسليم والخروج.. ولكن فجأة بدأ تبادل الرصاص بين الطرفين..
تنزل دموعه من عينيه وهو يمسك بيدي ويقول: الذي أبكاني وأشجاني الصغار والفتيات الذين ماتوا رعبا دون رصاصة واحدة.
ينخرط في بكاء مرير..

ثم يتوقف فجأة.. ويقول لي: قل لسكرتيرتك التي أحسنت استقبالي أن تكمل جميلها وتذهب معي إلي محطة مصر لتقطع لي تذكرة عودة إلي سوهاج.. فقد فقدت كل متاعي ولم يعد لي في جيبي قرش صاغ واحد.

ثم أخرج من جيبه تذكرة قدوم من سوهاج إلي القاهرة.

ودعته وأرسلت معه عم مساعد سائقي الخاص.. قطع له تذكرة عودة والذي منه.. وقلت له: ادع لنا ألا تحترق مصر أكثر مما احترقت ونحن عنها لاهون.. مغرضون مفسدون أكثر منا مصلحون.. وأن تستمع جماعات الإخوان هذه المرة إلي صوت العقل وتوقف محرقة مصر وإبادة كل شئ في طريقها ولا محرقة اليهود في ألمانيا في الحرب العالمية الثانية.. وسبحان مغير الأحوال.. ودقي يا مزيكا حزايني هذه المرة!

نقلاً عن "الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.