موازنات صعبة

نادر بكار
نادر بكار
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

نعم لا نريد للدولة في مصرأن تسقط ليس من منظور سقوط مؤسساتها فقط وإنما أيضا من ناحية تماسك مجتمعها وترابطه‏;‏ والذي نراه الآن أن قطاعا كبيرا من هذا الشعب آخذ بالفعل في السقوط داخل دوامة من الكراهية والرضا عن مشاهد العنف والعنف المضاد وانتهاك حقوق الإنسان بشكل يدعو إلي القلق‏.

الحق أن المشكلة التي تواجهنا مجتمعيا هي الأخطر علي الإطلاق في تاريخ مصر الحديث وربما يمتد تأثيرها السلبي لأجيال قادمة بلا أي مبالغة.... فالبيئة المصرية في مجموعها أصبحت مشجعة علي التطرف الفكري ومهيئة له أكثر من أي وقت مضي; وتنتشر في أوصالها بلا هوادة عدوي من ليس معنا فهو علينا مع تعطش لسفك الدماء واستباحة لإقصاء الآخر من الوجود بكل الطرق بغض النظر عن مشروعيتها.

صحيح أن العقلاء في مصرلن يختلفوا كثيرا علي حجم وفداحة الأخطاء التي ارتكبها النظام السابق علي مدي عام كامل, لكنها لن تكون مبررا أبدا لتأصيل ثقافة الكراهية بين المصريين وقتل البقية الباقية من رحمة في قلوبهم, أو إسكات نبرة التعقل الداعية إلي تضييق دائرة الثأر; لاسيما أن قواعد التفكير السليم والقراءة المتفهمة للواقع تخبرنا أن المصريين لن يستيقظوا يوما ليجدوا الإخوان وقد اختفوا من الحياة فجأة فقط لأن قياداتهم وقعت فيما وقعت فيه... لا مفر من قبول الحل السياسي لأن الوصول إلي المعادلة الصفرية التي يتخيل أحد الطرفين أنه قادر من خلالها علي اقصاء الثاني صعبة التحقيق; قد تسيل الدماء أنهارا لكن أحدا لن يحسم المعركة لمصلحته بالضربة القاضية أبدا.. وهذا بالتأكيد لا يتنافي مع تطبيق القانون بلاهوادة علي كل من دعا لعنف أو هدد سلما اجتماعيا.

كما كان حزب النور رافضا بشدة لفكرة العزل السياسي ضد أعضاء الحزب الوطني الديمقراطي بعد ثورة يناير وواضحا في مبدأ تقديم من يثبت عليه جرم إلي العدالة ثم يترك للشعب أن يقرر من خلال صناديق الاقتراع من يريده ومن يرفضه; فإن علينا تبني الخيار نفسه عند الحديث عن العزل السياسي الذي يطالب به البعض ضد جماعة الإخوان; كما أننا لسنا بصدد الحديث عن جرائم الرايخ الثالث مثلا لنعطي أنفسنا الحق بحديث مفعم بالكراهية والرغبة في الإجهاز علي ما تبقي من الإخوان بهذه الطريقة.

أما جماعة الإخوان فتحتاج الآن إلي مراجعة داخلية شاملة أكثر من أي وقت مضي في تاريخها, مراجعة فكرية تغربل الأدبيات من كل شوائب تكفير المخالف والنظرة المغلوطة لمفهوم التمكين والاستعلائية المقيتة في التعامل مع المجتمع; و تصور أن الأفراد لا فارق بينهم وبين المنهج; وتوهم أن انتقاد الخطأ ــ ولو بصورة علنية ــ طعن في المشروع الإسلامي ذاته, واعتقاد أن كل ما يخرج من قيادات الحركة صواب لا مرية فيه. وتحتاج كذلك إلي تصعيد قيادات شابة تأخذ مكان من اعتلوا منصة رابعة يقذفون في قلوب الآمنين الرعب وينزلون آيات الجهاد في غير موضعها ويوقدون الحماسة في قلوب الآلاف ممن وثقوا بدينهم فيدفعونهم دفعا إلي الموت ثم يلوذون بالفرار لا يلوون إلا علي النجاة بحياتهم ثم هم بين يدي التحقيقات أجبن الناس وأكذبهم.

قيادات تتفهم أن الثلاثين من يونيو كان نتيجة مباشرة لتضخم كرة ثلج الأخطاء الفادحة التي وقع فيها قادتهم علي مدي عام كامل, كان نتيجة لفكر التكفير الذي تشبعت به القيادات القطبية منهجا وخطابا وتعاملا; ومن ثم تعمل جديا علي تقليل حجم الخسائر والتحلي بأكبر قدر من المرونة للاندماج مجددا في العملية السياسية; وهذا تحديدا يمثل الفلسفة التي يتبناها حزب النور في مبادراته أو لقاءاته التفاوضية للتوسط بين الإخوان والسلطة الانتقالية.

بإزاء ذلك فإن المعتدلين في مصر من كل التيارات هؤلاء الذين يؤمنون بالعيش المشترك رغم اختلاف الأيديولوجيات مطالبون بالتيقظ لمعركتهم الأساسية التي تنحصر في مواجهة الاستبداد بكل صوره واجتثاث جذور الفساد من أعماق التربة الإدارية المصرية والحيلولة دون عودة الديكتاتورية مرتدية ثوبا جديدا والإصرار علي التأسيس لحياة سياسية مستقرة رائقة المناخ.

حتي في أحلك الظروف وأعقد المواقف ينبغي أن نكون علي يقين تام بإمكان الجمع بين رفض الدخول في مرحلة الفوضي العارمة والإصرار علي ألا تسقط بلادنا في فخ الدولة الضعيفة أو الفاشلة وفي الوقت نفسه المحافظة علي تحضرنا وتمسكنا بمبادئ دولة القانون ورفضنا المساومة علي الحرية وأبسط حقوق الإنسان.

نقلاً عن صحيفة "الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.