الدور الدستوري الديمقراطي للجيش المصري

ناجي صادق شراب
ناجي صادق شراب
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

لعل من أبرز النتائج الإيجابية التي أحدثتها الثورة المصرية، ودور الجيش المصري فيها أنها اسقطت كل النماذج التقليدية التي تفسر لنا العلاقة بين الجيش والسياسة أو السلطة المدنية، وهذا ما يفسر لنا الجدل العقيم الذي قد يثار حول دور الجيش المصري في السياسة المصرية، ودوره في دعم وحماية الديمقراطية على كل مساراتها ومراحلها في التاريخ المصري . هذه الثورة أوجدت نماذج جديدة للعلاقة لا بد من البحث عنها وفيها حتى يمكن فهم طبيعة العلاقة وسيناريوهاتها المختلفة . فالدراسات التقليدية التي تبنتها العديد من الدراسات الأمريكية والأوروبية وهي التي تقف وراء معارضة هذه الدور السياسي للجيش المصري، ووصفت ما قام به من دور في حماية ودعم الثورة على أنه إنقلاب عسكري فقط، لأن أي دور فيه جنرالات عسكريون يوصف بالانقلاب بصرف النظر عن خصوصية الحالة التي أمامنا .

هذه الدراسات تطالب بأن ينأي الجيش عن أي دور في السياسة، وأن الحكم العسكري امتداد للحكم الفاشي سواء كان علمانياً أو دينياً .

ولذك لا دور للجيش في السياسة . هذه هي القاعدة في كل الدراسات التقليدية والتي ما زالت قائمة ويؤخذ بها . إلا أن هذه الدراسات بدأت تتهاوى حججها وافتراضاتها بعد الدور الدستوري والديمقراطي الذي قام به الجيش المصري كمؤسسة وطنية . ولقد ظهرت دراسات حديثة تفند الدراسات التقليدية وترفض حججها، وتنادي بدور للجيش في السياسة، وفي حماية ودعم عمليات التحول والممارسة الديمقراطية، وتطالب أيضاً بدور اكبر للجيش في التدخل في حال انحراف أنظمة الحكم المدنية عن الممارسة الديمقراطية، وتحويل الحكم إلى صورة جديدة من الفاشية تحت ذريعة الانتخابات، أو ما يمكن تسميته بشرعية الصندوق، ولا شيء اسمه شرعية الصندوق، لأن الأساس هو الشرعية الديمقراطية . وأن الجيش الوطني المؤمن بالديمقراطية يمكن أن يلعب دوراً مهماً ومحورياً في حماية الممارسة الديمقراطية، واكتمال عملية التحول الديمقراطي، وهي المرحلة الأساس في بناء نظام حكم ديمقراطي مستقر . ويلعب دور الحارس الأمين للديمقراطية .

وفي هذا المعنى يكتسب الجيش دوراً ووظيفةً جديدةً في حماية الشرعية الديمقراطية من أي انحراف، وهذا الدور يتطلب وجود قيادة وطنية موحدة، وقيادة عسكرية مؤمنة بالممارسة الديمقراطية والحكم المدني، والالتزام بقواعد ومبادئ الممارسة الديمقراطية، والتبعية للحكم المدني .

هذه الشروط تنطبق على الجيش المصري، فهو المؤسسة الوطنية الوحيدة القادرة على حماية شرعية الثورة، إذ أثبت الجيش المصري أنه المؤسسة الوطنية الوحيدة التي قد انحازت دائماً إلى الشعب المصري .

فإلى جانب دوره في حماية الأمن القومي، والتصدي لكل التهديدات الخارجية، كان له دور دقيق ومحسوب في دعم الشرعية السياسية، وقد التزم عبر كل مراحله بالحكم المدني والتبعية له، ونجح في أن يتحول إلى أكبر وأقوى الجيوش العربية، ولذلك بات هذا الدور مستهدفاً، لأنه من خلال ضرب هذا الدور يمكن تمرير كل المشاريع الخارجية .

والأمثلة كثيرة على هذا الدور الدستوري والديمقراطي تاريخيا، لكن الدور الأكثر جدلاً هو الدور الذي لعبه الجيش في حماية أهداف ثورتي يناير ويونيو، وأن الدور الذي قام به أخيراً يأتي في سياق حفظ الديمقراطية والممارسة الديمقراطية، ولو تم تقييم دور الجيش المصري من هذا المنظور ما دخلنا في الجدل العقيم انقلاب أم ثورة . ولذا فإن معيار الحكم على دور الجيش هو مدى الالتزام بالديمقراطية وقواعد ممارستها . ففي ثورة يناير قام المجلس العسكري بتنظيم أول انتخابات برلمانية، وإنجاز الاستفتاء الدستوري، بإلزام الحكم السابق على الالتزام واحترام إرادة الشعب المصري في تغيير الحكم، واحترامه للسلطة المدنية الجديدة، حتى عندما تمت إقالته التزم كبار قياديه بالقرار السياسي على الرغم من الشك في توقيت اتخاذه، وفي الحالة الثانية وبعد تعيين الفريق السيسي وزيراً للدفاع التزم المجلس العسكري بكل قرارات السلطة السياسية المدنية، ولكن الجيش المصري وبحكم خلفيته السياسية والوطنية لم تقرأ جيداً، فهذا الجيش له خصوصية تعكس الحالة المصرية .

صحيح أنه ينأى بنفسه عن السياسة ومفاسدها، لكنه كان يلعب دائماً دور الحارس الأمين للنظام السياسي المدني، ويحترم إرادة الشعب المصري، ولعل أحد الأسباب لذلك إلى جانب الخلفية والتركيبة الاجتماعية فإن هذا الجيش ليس بعيداً عن السياسة، ولذلك عندما انحرف النظام السياسي المدني عن الممارسة الديمقراطية كان دور الجيش أولاً في تقديم النصح السياسي، وكانت المرحلة التالية هي مرحلة الانحياز للشعب، إذ كان خيار الجيش والفريق السيسي هو الوقوف إلى جانب الشعب وإرادته، وهذا هو الدور التاريخي له، ثم جاءت مرحلة التأكيد على الحكم الديمقراطي من خلال خارطة الطريق، والالتزام بها وهي في مجملها تعيد التأسيس لحكم ديمقراطي يفترض أنه هدف جميع القوى السياسية بما فيها “الإخوان” . وهنا الخطأ الذي وقع فيه “الإخوان” وهو أنهم لو التزموا بهذه الخارطة وتنفيذها ما انتهت الأمور إلى ما آلت إليه من خسارة لهم، ومن حالة عنف وتهديد لأمن الدولة .

وفي هذا السياق يمكن فهم الدور الديمقراطي للفريق السيسي والجيش المصري، فقد أعلن عدم رغبته في الترشح للرئاسة وتم تشكيل حكومة مدنية برئاسة الدكتور الببلاوي وهو خبير اقتصادي وليس عسكرياً وتم تشكيل حكومة خلفيتها مدنية، وتم تشكيل لجنة لوضع دستور مدني يعرض على الشعب في استفتاء عام، والتعهد بإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية، واحترام قواعد الممارسة الديمقراطية .
هذه هي المعايير التي ينبغي أن يتم من خلالها الحكم على الدور السياسي والدستوري للجيش المصري.

نقلاً عن صحيفة "الخليج"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.