مستقبل مؤقت

عمرو خفاجي
عمرو خفاجي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

فى شقة سكنية بمدينة «دبى» قفز الزوج المصرى فى الهواء فرحا مهلا فى مساء الجمعة ١١ فبراير ٢٠١١، وهو يشاهد التلفاز يعلن بوضوح تخلى مبارك عن السلطة، وتفويض سلطاته للمجلس الأعلى للقوات المسلحة. وهو ما اعتبره فى لحظتها نجاحا ساحقا للثورة المصرية، وهو الذى أمضى سنوات شبابه بعيدا عن بلاده بسبب هذا الحاكم الطاغية ونظامه الفاسد، كانت اللحظة لحظة فرحة العُمر (زوجته وصفتها بالفرحة الهستيرية)، لكنه بعد أن استقر وعاد إلى مقعده مجهدا منهكا مبتهجا مغتبطا، اكتشف أن زوجته البلغارية لم تحرك ساكنا سوى نظرات شفقة تجاهه، ووفقا لاعترافه، شعر لأول مرة بسلبية الزواج من أجنبية التى لا تشاركه فرحته التاريخية الكبرى، لكنها لم تتركه يمضى بعيدا فى تصوراته الخاطئة، وعاجلته بقصتها مع التغيير الثورى الذى شهدته بلادها قبل عشرين عاما، وعليه ألا يبالغ فى فرحته، لأن المستقبل الذى يحلم به لبلاده صار بعيدا، وأن عليه من الآن أن يستعد أن تكون جميع أحاسيسه ومشاعره مؤقتة، فكل شىء من الآن وصاعدا صار مؤقتا، بما فى ذلك المستقبل.

هذه القصة، كانت قصة سخيفة وغير لائقة ومحبطة، حينما حكاها لنا صديقنا المغادر لمصر دوما، والذى كان قد قرر الهجرة لكندا ليلحق بأصدقاء آخرين، وكان قبلها قد رهن عودته إلينا، إلى مصر، بقيام ثورة تطيح بنظام مبارك ورجاله والقضاء على عصره الذى قضى على وجوده فى البلاد بجوار أبويه وأشقائه، كانت مكالمته لنا، فى عز الفرحة، الجمعة الأولى من دون مبارك، ١٨ فبراير، وكنا أسخف منه فى الرد على حكايته بإصراره الدائم على الغياب عن مصر، وبعضنا تطوع باتهامه بفشله الدائم أو تحقيق أية نجاحات، بالرغم من ان هذا الصديق تحديدا، مهندس بارع مازال يعمل مع شركة عالمية كبرى، لكن اللحظة كانت تستوجب كل ذلك، وكنا بالفعل فى انتظاره، علما بأننا فى هذا الأسبوع استقبلنا ثلاثة أصدقاء عادوا على الفور من لندن وبرلين وشيكاجو، وكنا قبلها، فى أيام الثورة قد استقبلنا صديقين من الكويت شاركا فى أيامها الأخيرة، وكانت الإدانة من الجميع ضد الصديق الذى فاجأنا بقرار عدم العودة واستكمال الخطة بالهجرة إلى كندا، حيث يعيش أيامه الأولى بها الآن فى مدينة غريبة حزينا مثقلا بالكآبة خوفا ورعبا من ثلج الشتاء الذى لم يتعرف عليه بعد، ومن مستقبل بلاده التى غادرها غاضبا منها، ولا يزال، وخائفا عليها بكل مشاعر فوبيا البعد عن الوطن.

أمس، هاتفنا هذا الصديق ليطمئن علينا، وليطمئننا عليه فى بلاده الجديدة، واكتشفنا جميعا، أن بعضا من قصته التى قصها علينا فى الجمعة الأولى بعد نجاح الثورة (رأيى ان الثورة نجحت فى تغييرنا على الأقل) يستحق المناقشة، خاصة أن كل شىء صار مؤقتا كما داهمنا ليلتها، فحتى كل حكومة تطل علينا تعلن أنها مؤقتة، أو انتقالية، وأنها لا تملك الصلاحيات لاتخاذ القرارات الثورية الكبرى، حتى حكومة الدكتور هشام قنديل فعلت ذلك، وأكدت لنا أنها مؤقتة، وتغيرت مرتين، وقالت إنها فى انتظار انتخابات البرلمان، وساعتها ستكون الحكومة جاهزة لتحقيق أهداف الثورة، حكومة قنديل «الثورية المنتخبة من مرسى» احتشدت ببعض رجال الحزب الوطنى (٨ أعضاء فى التشكيل الأول) وقالوا كفاءات نادرة، ولم يفعلوا شيئا لا لنا ولا لحكومتهم، وطبعا الحكومة الحالية انتقالية، ولن ننتظر منها شيئا، ولن نسأل عن عدد رجال الحزب الوطنى بها، و علينا الانتظار حتى انتخابات البرلمان والرئاسة حتى تأتى الحكومة المنتخبة، التى تستطيع اتخاذ قرارات كبرى تحقق أهداف الثورة، وأخشى ما أخشاه أن نصبح جميعا، أسرى لمستقبل مؤقت بشكل دائم دون أن نعرف ماذا ينتظرنا غدا.

نقلاً عن صحيفة "الشروق"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.