.
.
.
.

الأولتراس.. أزمتهُ وأزمتنا

عمرو خفاجي

نشر في: آخر تحديث:

المشهد السياسى الذى نعيشه منذ يناير ٢٠١١، مشهد بالغ التعقيد، سريع التطور، عنيف أحيانا ومتهور فى أحيان أخرى، غامض لبعض الوقت، وفج فى معظم الأوقات، مشهد معبأ بكل القوى السياسية والاجتماعية والدينية، وملىء فى ذات الوقت بكل التوافقات والتناقضات، هذا المشهد كان محببا لدينا وكنا نحتفى به فى نهايات يناير وبدايات فبراير من العام قبل الماضى، وكنا نهمل قراءته فى البداية، تحت دعاوى الوحدة المذهلة التى بهرت العالم بين كل القوى المتباينة، والاتجاهات المختلفة، والأيدولوجيات المتضادة، والأحزاب المتعاركة، كان المشهد يعبر عن انصهار الكل من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار فى بوتقة واحدة اسمها الثورة، ولأن كل ذلك حدث فى إطار من الرومانسية الوطنية المحتفية بتفوق الشعب على النظام الباطش المستبد، لم نلتفت جميعا لمكونات هذا التحالف الذى يحمل كل المتناقضات بداخله، ولم نهتم بسماع أصوات فئاته وطوائفه لنفهم ماذا لديهم، وماذا يريدون، ولماذا جاءوا للميادين، ولماذا اختلفوا مع الآخرين بعد أيام من نجاح الثورة فى الإطاحة بمبارك، ومن بين هؤلاء كان شباب الأولتراس بجماعاته المختلفة والذين كانوا دوما فى الصف الأول لحظة المواجهات العنيفة التى حاولت عرقلة تقدم الجماهير نحو النصر فى الايام الثمانية عشر المجيدة، ثم كل المواجهات التى لم نفهم أسبابها حتى الآن مع هؤلاء الشباب.

شباب الأولتراس، كانوا، ولا يزالون، ضحايا ومتهمين فى ذات الوقت، عاشقين ومتطرفين فى ذات اللحظة، مخربين ووطنيين فى ذات الفعل، معشوقين ومكروهين عن نفس الظاهرة، الأولتراس ــ للأسف الشديد ــ لم ينجح فى شرح نفسه، ولا فى تفسير مواقفه، ولا فى تبرير غضب المنتمين إليه، الأولتراس شباب ضاع عند الرأى العام بسبب تحليلات كاذبة وادعاءات باطلة، واتهامات غالبا لا أساس لها من الصحة، اتهامات تبدأ من تعاطى المخدرات ولا تنتهى عند الاشتغال بالأجر لصالح فرق وجماعات سياسية، وعندما حدثت الطامة الكبرى فى استاد بورسعيد، بكت مصر شبابها وسألوا، ربما للمرة الأولى، لماذا يحدث ذلك لهؤلاء الشباب تحديدا، وقتها تذكر الجميع النشأة والعراك مع الداخلية فى زمن مبارك، والآن يتجدد المشهد مع شباب الأولتراس مع ضحية جديدة، قتلته رصاصة غادرة، وكالعادة لم يتحرك أحد ليشرح لنا ماذا حدث ولماذا، ولم يهب القانون ليعلن عن نفسه ويقتص لصاحب الحق، لندخل من جديد فى النفق الغامض المظلم الذى نعتقد أن بداخله فهما لهؤلاء الشباب الذين يخلصون لأندية يحبونها ولألوان «فانلات» يعتقدون أنها عشق عمرهم (آه يا تى شيرت العُمر يا أبيض) وتلك كانت التغريدة الأخيرة، تغريدة البجعة، لآخر من سقط من شهداء هذا العشق المجنون.

لا أعرف حقائق الأمور، ولا أفهم حقيقة القصة، كل ما أعرفه وأفهمه، أن شباب الأولتراس، جزء من شباب الأمة، لديه قضية خاصة وهموم كبرى، لديه متعة يمارسها، ولديه أيضا عدو متربص به على الدوام يقمعه ويطارد حريته ويصادر متعته، فيدفع بهؤلاء الشباب إلى مناطق لم يرغبوا أبدا الذهاب إليها، الآن أصبح من الواجب أن نسمع هؤلاء الشباب وننصت لهم جيدا، خاصة وهم يعلنون أنهم يكرهون الدم ولا يريدون الاعتياد عليه، وسيبقى الموت حدثا عارضا يزعجهم، لكنه يؤلمهم، ويدفعهم للبحث عن القصاص، فهم لن يستمتعوا بالحرية ولن يتمكنوا من الغناء المخلص لألوان «الفانلات» التى يعشقونها، قبل أن يعرفوا الحقيقة وقبل أن يتعرفوا على قاتليهم، إنهم فتية يرفضون السلطة القمعية المهملة المستهترة، حتى لو كانت سلطة تحكم أندية وتتحكم فى لاعبين، فهؤلاء الشباب يؤمنون أيضا أن السيادة للجماهير حتى لو كانت فى المدرجات.


نقلاً عن صحيفة "الشروق"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.